تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩

انتظار النداء عند فصل القضاء إمّا بالإسعاد وإمّا بالإشقاء فهذه أحوال وأهوال لا بدّ لك من معرفتها ، ثمّ الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق ، ثمّ تطويل الفكر فيها لينبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم ولم يتمكَّن من سويداء أفئدتهم ويدلّ على ذلك شدّة تشمّرهم واستعدادهم لحرّ الصيف وبرد الشتاء وتهاونهم بحرّ جهنّم وزمهريرها مع ما يكتنفه من المصاعب والأهوال ، نعم إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثمّ غفلت عنه قلوبهم ومن أخبر بأنّ ما بين يديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الَّذي أخبره : صدقت ثمّ مدّ يده إليه ليتناوله كان مصدّقا بلسانه ومكذّبا بعمله وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللَّسان وقد قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال اللَّه تعالى : « شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ، وكذّبني وما ينبغي له أن يكذّبني ، أمّا شتمه إيّاي فيقول : إنّ لي ولدا ، وأمّا تكذيبه فقوله لن يعيدني كما بدأني ( 1 ) » وإنّما فتور البواطن عن قوّة اليقين والتصديق بالبعث والنشور لقلَّة الفهم في هذا العالم لأمثال تلك الأمور ، ولو لم يشاهد الإنسان توالد الحيوانات وقيل له : إنّ صانعا يصنع من النطفة القذرة مثل هذا الآدمي المصوّر العاقل المتكلَّم المتصرّف لاشتدّ نفور باطنه عن التصديق به ولذلك قال اللَّه تعالى : « أو لم ير الإنسان أنّا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين ( 2 ) » . وقال تعالى : « أيحسب الإنسان أن يترك سدى . ألم يك نطفة من مَنِيّ يُمنى ( 3 ) » ففي خلق الآدمي مع كثرة عجائبه واختلاف تركيب أعضائه أعاجيب تزيد على الأعاجيب في بعثه وإعادته فكيف ينكر ذلك من قدرة اللَّه وحكمته من يشاهد ذلك في صنعه وقدرته فإن كان في إيمانك ضعف فقوّ الإيمان بالنظر في النشأة الأولى فإنّ الثانية مثلها وأسهل منها وإن كنت قويّ الإيمان بها فأشعر قلبك تلك المخاوف والأخطار وأكثر فيها التفكَّر والاعتبار ليتسلَّب عن قلبك الرّاحة والقرار فتشتغل بالتشمّر للعرض على الجبّار ، وتفكَّر أوّلا فيما يقرع سمع سكان القبور من شدّة نفخ الصور

هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ج 4 ص 129 من حديث أبي هريرة .
( 2 ) يس : 77 .
( 3 ) القيامة : 36 و 37 .