وإليهم الإشارة بقوله تعالى : « وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ( 1 ) » . فأعلم العلماء وأحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب والآيات ما لم يخطر قطَّ بباله ولا اختلج به ضميره ، فلو لم يكن للعاقل همّ ولا غمّ إلا الفكرة في خطر تلك الحال أنّ الحجاب عمّا ذا يرتفع وما ذا الَّذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أو سعادة دائمة لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر ، والعجب من غفلتنا وهذه العظائم بين أيدينا ، وأعجب من ذلك فرحنا بأموالنا وأهلينا وبأسبابنا وذرّيّاتنا بل بأعضائنا وسمعنا وبصرنا مع أنّا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا ولكن أين من ينفث روح القدس في روعه فيقول له ما قال لسيّد النبيّين « أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه ، وعش ما شئت فإنّك ميّت ، واعمل ما شئت فإنّك مجزيّ به ( 2 ) » . فلا جرم لمّا كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدّنيا كعابر سبيل ، لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ولم يخلَّف دينارا ولا درهما ، وقد قال لامّته : « إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ( 3 ) » وإنّما أمّته من اتّبعه وما اتّبعه إلا من أعرض عن الدّنيا وأقبل على الآخرة فإنّه ما دعا إلا إلى اللَّه واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدّنيا والحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدّنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الَّذي سلكه ، وبقدر ما سلكت سبيله فقد اتّبعته ، وبقدر ما اتّبعته صرت من أمّته ، وبقدر ما أقبلت على الدّنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته ، والتحقت بالَّذين قال تعالى فيهم : « فأمّا من طغى وآثر الحياة الدُّنيا فإنَّ الجحيم هي المأوى ( 4 ) » فلو خرجت من مكمن الغرور وأنصفت نفسك يا رجل - وكلَّنا ذلك الرّجل - لعلمت أنّك من حين تصبح إلى حين تمسي لا تسعى إلا في الحظوظ العاجلة ولا تتحرّك ولا تسكن إلا لعاجل الدّنيا ثمّ تطمع في أن تكون غدا من أمّته وأتباعه ، ما أبعد ظنّك وما أبرد طمعك « أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون » ولنرجع إلى ما كنّا فيه وبصدده فقد امتدّ عنان الكلام إلى غير مقصده ولنذكر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 316
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٣١٦
هامش
( 1 ) الزمر : 47 .
( 2 ) تقدم غير مرة ورواه الصدوق في الفقيه .
( 3 ) آل عمران : 31 .
( 4 ) النازعات : 37 و 38 و 39 .