الأجساد لا تبعث ولا تحشر أصلا ، وكلّ هذه الظنون فاسدة ومائلة عن الحقّ ، بل الَّذي يشهد له طرق الاعتبار وتنطق به الآيات والأخبار أنّ الموت معناه تغيّر حال فقطَّ وأنّ الرّوح باقية بعد مفارقة الجسد إمّا معذّبة وإمّا منعّمة ، ومعنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرّفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها فإنّ الأعضاء آلات للروح تستعملها حتّى أنّها لتبطش باليد وتسمع بالأذن وتبصر بالعين وتعلم حقيقة الأشياء بالقلب والقلب ههنا عبارة عن الرّوح والرّوح تعلم الأشياء بنفسها من دون آلة وكذلك قد تتألَّم بنفسها بأنواع الحزن والكمد ، وتتنعّم بأنواع الفرح والسّرور وكلّ ذلك لا يتعلَّق بالأعضاء فكلّ ما هو وصف للرّوح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد وما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطَّل بموت الجسد إلى أن تعاد الرّوح إلى الجسد ولا يبعد أن تعاد إلى الجسد في القبر ولا يبعد أن تؤخّر إلى يوم البعث واللَّه أعلم بما حكم به على كلّ عبد من عباده ، وإنّما تعطَّل الجسد بالموت يضاهي تعطَّل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه ولشدّة تقع في الأعصاب تمنع نفوذ الرّوح فيها فيكون الرّوح العالمة المدركة باقية مستعملة لبعض الأعضاء وقد استعصى عليها بعضها ، والموت عبارة عن استعصاء الأعضاء كلَّها ، وكلّ الأعضاء آلات للرّوح وهي المستعملة لها وأعني بالرّوح المعنى الَّذي يدرك من الإنسان العلوم وآلام الغموم ولذّات الأفراح ومهما بطل تصرّفها في الأعضاء لم تبطل منها العلوم والإدراكات ، ولا تبطل منها الأفراح والغموم ، ولا يبطل منها قبولها الآلام واللَّذّات والإنسان بالحقيقة هو المعنى المدرك للعلوم والآلام واللَّذّات وذلك لا يموت أي لا ينعدم ومعنى الموت انقطاع تصرّفه عن البدن وخروج البدن عن أن يكون له آلة كما أنّ معنى الزّمانة خروج اليد عن أن تكون آلة مستعملة ، فالموت زمانة مطلقة في الأعضاء كلَّها ، حقيقة الإنسان نفسه وروحه هي باقية نعم تغيّر حاله من جهتين إحداهما أنّه سلب منه عينه وأذنه ولسانه ويده ورجله وجميع أعضائه ، وسلب منه أهله وولده وأقاربه وسائر معارفه ، وسلب منه خيله ودوابّه وغلمانه ودوره وعقاره وسائر أملاكه ولا فرق بين أن تسلب هذه الأشياء من الإنسان وبين أن يسلب الإنسان من هذه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 294
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٤