تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧

وأنّ ما سيكون من شقاوة الميّت وسعادته يتعجّل عند الموت من غير تأخّر وإنّما يتأخّر بعض أنواع العذاب والثواب دون أصله . وروى أنس عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « الموت القيامة من مات فقد قامت قيامته ( 1 ) » وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده غدوة وعشيّة إن كان من أهل الجنّة فمن الجنّة وإن كان من أهل النّار فمن النّار يقال : هذا مقعدك حتّى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة ( 2 ) » وليس يخفى ما في مشاهدة المقعدين من عذاب ونعيم في الحال . وقال عليّ عليه السّلام : « حرام على كلّ نفس أن تخرج من الدّنيا حتّى تعلم من أهل الجنّة هي أم من أهل النّار ( 3 ) » ولهذا قيل : إنّما مثل المؤمن حين تخرج نفسه وروحه مثل رجل كان في سجن فأخرج منه فهو يتفسّح في الأرض ويتقلَّب فيها وهذا الَّذي ذكره حال من تجافى عن الدّنيا وتبرّم بها ولم يكن له أنس إلا بذكر اللَّه وكانت شواغل الدّنيا تحبسه عن محبوبه ومقاساة الشهوات تؤذيه فكان في الموت خلاصه من جميع المؤذيات وانفراده بمحبوبه الَّذي كان به أنسه من غير عائق ولا دافع ، وما أجدر ذلك بأن يكون منتهى النعيم واللَّذّات وأكمل اللَّذّات للشهداء الَّذين قتلوا في سبيل اللَّه لأنّهم ما أقدموا على القتال إلا قاطعين التفاتهم عن علائق الدّنيا مشتاقين إلى لقاء اللَّه راضين بالقتل في طلب مرضاته فإن نظر إلى الدّنيا فقد باعها طوعا بالآخرة والبايع لا يلتفت قلبه إلى المبيع وإن نظر إلى الآخرة فقد اشتراها وتشوّق إليها فما أعظم فرحه بما اشتراه إذا رآه وما أقلّ التفاته إلى ما باعه إذا فارقه ، وتجرّد القلب لحبّ اللَّه قد يتّفق في بعض الأحوال ولكن لا يدركه الموت عليه فيتغيّر ، والقتال سبب الموت فكان سببا لإدراك الموت

هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في الموت باسناد ضعيف . ( المغني ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ج 2 ص 118 .
( 3 ) لم أجده وتقدم ص 260 نحوه عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وراجع المجلد الثالث من بحار الأنوار باب ما يعاين المؤمن والكافر عند الموت .