جريدة قد دوّن فيها جميع فواحشه وجناياته ذرّة ذرّة وخطوة خطوة ، والملك قاهر متسلَّط وغيور على حرمه ومنتقم من الجناة على ملكه وغير ملتفت إلى من يتشفّع إليه في العصاة عليه فانظر إلى حال هذا المأخوذ كيف يكون حاله قبل نزول عذاب الملك به من الخوف والخجلة والحياء والتحسّر والتندّم ، فهذا حال الميّت الفاجر المغترّ بالدّنيا المطمئنّ إليها قبل نزول عذاب القبر به ، بل عند موته ، نعوذ باللَّه منه فإنّ الخزي والافتضاح وهتك الستر أعظم من كلّ عذاب يحلّ بالجسد من الضرب والقطع وغيرهما ، فهذه إشارة إلى حال الميّت عند الموت شاهدها أولو - البصائر بمشاهدة باطنة أقوى من مشاهدة العين وشهد لذلك شواهد الكتاب والسّنة ، نعم لا يمكن كشف الغطاء عن كنه حقيقة الموت إذ لا يعرف الموت من لا يعرف الحياة ومعرفة حقيقة الحياة بمعرفة حقيقة الرّوح في نفسها وإدراك ماهيّة ذاتها ولم يؤذن الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أن يتكلَّم فيها ولا أن يزيد على أن يقول « الرّوح من أمر ربّي » فليس لأحد من علماء الدّين أن يكشف عن سرّ الرّوح وإن اطَّلع عليه وإنّما المأذون فيه ذكر حال الرّوح بعد الموت ، ويدلّ على أنّ الموت ليس عبارة عن انعدام الرّوح وانعدام إدراكها آيات وأخبار كثيرة أمّا الآيات فما ورد في الشهداء قال تعالى : « ولا تحسبنَّ الَّذين قتلوا في سبيل اللَّه أمواتا بل أحياء عند ربّهم يرزقون فرحين ( 1 ) » ولما قتل صناديد العرب يوم بدر ناداهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : « يا فلان يا فلان قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا ؟ فقيل : يا رسول اللَّه أتناديهم وهم أموات ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : والَّذي نفسي بيده إنّهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلا أنّهم لا يقدرون على الجواب ( 2 ) » فهذا نصّ في بقاء روح الشقيّ وبقاء إدراكها ومعرفتها والآية نصّ في بقاء أرواح الشّهداء ، ولا يخلو الميّت عن سعادة أو شقاوة وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « القبر إمّا حفرة من حفر النّيران أو روضة من رياض الجنّة ( 3 ) » وهذا نصّ صريح في أنّ الموت معناه تغيّر حال فقطَّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 296
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٦
هامش
( 1 ) آل عمران : 169 .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 136 من حديث عمر بن الخطاب .
( 3 ) أخرجه الترمذي وغيره وتقدم في الخوف والرجاء .