الأشياء فإنّ المؤلم هو الفراق والفراق يحصل تارة بأن ينهب مال الرّجل وتارة بأن يسبى الرّجل عن المال والألم واحد في الحالتين وإنّما معنى الموت سلب الإنسان عن أمواله بإزعاجه إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم فإن كان له في الدّنيا شيء يأنس به ويستريح إليه ويتقيّد بوجوده فيعظم تحسّره عليه بعد الموت ويتضاعف شقاؤه في مفارقته ، بل يلتفت قلبه إلى واحد واحد من ماله وجاهه وعقاره حتّى إلى قميص كان يلبسه مثلا ويفرح به وإن لم يكن يفرح إلا بذكر اللَّه ولم يأنس إلا به عظم نعيمه وتمّت سعادته إذ خلَّي بينه وبين محبوبه وقطعت عنه العوائق والشواغل ، إذ جميع أسباب الدّنيا شاغلة عن ذكر اللَّه فهذا أحد وجهي المخالفة بين حال الموت وحال الحياة ، والثاني أنّه ينكشف له بالموت ما لم يكن مكشوفا له في الحياة كما قد ينكشف للمتيقّظ ما لم يكن مكشوفا له في النوم والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وأوّل ما ينكشف له ما يضرّه وينفعه من حسناته وسيّئاته وقد كان ذلك مسطورا في كتاب مطوي في سرّ قلبه وكان يشغله عن الاطَّلاع عليه شواغل الدّنيا فإذا انقطعت الشواغل انكشف له جميع أعماله فلا ينظر إلى سيّئة إلا ويتحسّر عليها تحسّرا يؤثر أن يخوض غمرة النار للخلاص من ألم تلك الحسرة ، وعند ذلك يقال له : « كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا » وينكشف كلّ ذلك عند انقطاع النفس وقبل الدّفن ، وتشتعل فيه نيران الفراق أعني فراق ما كان يطمئنّ إليه من هذه الدّنيا الفانية دون ما أراد منها لأجل الزّاد والبلغة فإنّ من طلب الزّاد للبلغة فإذا بلغ المقصد فرح بمفارقته بقية الزّاد إذ لم يكن يريد الزّاد لعينه وهذا حال من لم يأخذ من الدّنيا إلا بقدر الضرورة وكان يودّ أن تنقطع ضرورته ليستغني عنه فقد حصل له ما كان يودّه واستغنى عنه وهذه أنواع من العذاب والآلام عظيمة تهجم عليه قبل الدّفن ثمّ بعد الدّفن قد تردّ روحه إلى الجسد بأنواع آخر من العذاب وقد يعفى عنه ويكون حال المتنعّم بالدّنيا المطمئنّ إليها كحال من تنعّم عند غيبة ملك من الملوك في داره وملكه وحريمه اعتمادا على أنّ الملك يتساهل في أمره أو على أنّ الملك ليس يدري ما يتعاطاه من قبيح أفعاله فأخذه الملك بغتة وعرض عليه
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 295
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٥