عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت : إنّ القلب إذا قسا لم يليّنه إلا رسوم البلى وإنّي لأتى القبور فكأنّي أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها وكأنّي أنظر إلى تلك الوجوه المتعفّرة ، وإلى تلك الأجسام المتغيّرة ، وإلى تلك الأكفان الدّسمة فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم ، ما أنكل مرارتها للأنفس ، وأشدّ تلفها للأبدان . ويستحبّ أيضا الثناء على الميّت وأن لا يذكر إلا بالجميل ، قالت عائشة : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه ( 1 ) » وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « لا تسبّوا الأموات فتؤذوا الأحياء ( 2 ) » « لا تسبّوا الأموات فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدّموا ( 3 ) » . وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم « لا تذكروا أمواتكم إلا بخير فإنّهم إن يكونوا من أهل الجنّة تأثموا وإن يكونوا من أهل النّار فحسبهم ما هم فيه [ 1 ] » . * ( الباب السابع ) * * ( في حقيقة الموت وما يلقاه الميّت في القبر إلى نفخة الصور ) * بيان حقيقة الموت : اعلم أنّ للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد أخطأوا فيها فظنّ بعضهم أنّ الموت هو العدم وأنّه لا حشر ولا نشر ولا عاقبة للخير والشرّ وأنّ موت الإنسان كموت الحيوانات وجفاف النبات وهذا رأي الملحدين وكلّ من لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر ، وظنّ قوم أنّه ينعدم بالموت ولا يتألَّم بعقاب ولا يتنعّم بثواب ما دام في القبر إلى أن يعاد في وقت الحشر ، وقال آخرون : إنّ الرّوح باقية لا تنعدم بالموت وإنّما المثاب والمعاقب هي الأرواح دون الأجساد وإنّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 293
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٩٣
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود ج 2 ص 573 من السنن .
( 2 ) أخرجه الترمذي ج 9 ص 151 وأحمد في مسنده من حديث المغيرة .
( 3 ) أخرجه البخاري ج 3 ص 123 من حديث عائشة . وأحمد ج 6 ص 180 من مسنده أيضا .
[ 1 ] قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في الموت هكذا باسناد ضعيف من حديث عائشة وهو عند النسائي جيد مقتصرا هكذا « لا تذكروا موتاكم إلا بخير » . وذكره بالزيادة صاحب مسند الفردوس وعلم عليه علامة النسائي والطبراني .