ممّن عبدني لجنّة أو نار ، لو لم أخلق جنّة ولا نارا ألم أكن أهلا أن أطاع . ومرّ عيسى عليه السّلام على طائفة من العبّاد قد نحلوا فقال : ما أنحلكم قالوا : نخاف النار ونرجو الجنّة فقال لهم : مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم ، ومرّ بقوم آخرين كذلك فقالوا : نعبده حبّا له وتعظيما لجلاله ، فقال : أنتم أولياء اللَّه عزّ وجلّ حقّا معكم أمرت أن أقيم . وفي الخبر « لا يكوننّ أحدكم كالعبد السوء إن لم يخف لم يعمل ولا كالأجير السوء إن لم يعط لم يعمل » ( 1 ) . وأمّا السبب الخامس للحبّ فهو المناسبة والمشاكلة إذ شبه الشيء منجذب إليه والشكل إلى الشكل أميل ولذلك ترى الصبيّ يألف الصبيّ والكبير يألف الكبير ويألف الطير نوعه وينفر من غير نوعه ، وأنس العالم بالعالم أكثر منه بالمحترف وألف التاجر بالتاجر وأنسه به أكثر من أنسه بالفلاح وهذا أمر تشهد به التجربة وتشهد له الأخبار والآثار كما استقصيناه في باب الأخوّة في اللَّه من كتاب آداب الصحبة فليطلب منه ، وإذا كانت المناسبة سبب المحبّة فالمناسبة قد تكون في معنى ظاهر كمناسبة الصبيّ للصبيّ في معنى الصّبي وقد تكون خفيّا بحيث لا يطَّلع عليه كما ترى من الاتّحاد الَّذي يتّفق بين شخصين من غير ملاحظة جمال أو طمع في مال أو غيره كما أشار عليه السّلام إليه إذ قال : « الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » ( 2 ) والتعارف هو التناسب والتناكر هو التباين ، وهذا السبب أيضا يقتضي حبّ اللَّه لمناسبة باطنة لا ترجع إلى المشابهة في الصورة والأشكال بل إلى معان باطنة يجوز أن يذكر بعضها في الكتب وبعضها لا يجوز أن يسطر بل يترك تحت غطاء الغبرة حتّى يعثر عليه السّالكون للطَّريق إذا استكملوا شروط السّلوك فالَّذي يذكر هو قرب العبد من اللَّه عزّ وجلّ في الصفات الَّتي أمر فيها بالاقتداء والتخلَّق بأخلاق الرّبوبيّة حتّى قيل : تخلَّقوا بأخلاق اللَّه ، وذلك في اكتساب محامد الصفات الَّتي هي من صفات الإلهيّة من العلم والبرّ والإحسان و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 25
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٥
هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .
( 2 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 41 وقد تقدم كرارا .