اللَّطف وإفاضة الخير والرّحمة على الخلق والنصيحة لهم وإرشادهم إلى الحقّ ومنعهم من الباطل إلى غير ذلك من مكارم الشريعة ، فكلّ ذلك يقرّب إلى اللَّه عزّ وجلّ لا بمعنى طلب القرب بالمكان بل بالصفات ، وأمّا ما لا يجوز أن يسطر في الكتب من المناسبة الخاصّة الَّتي اختصّ بها الآدميّ فهي الَّتي يومي إليها قوله تعالى : « ويسألونك عن الرّوح قل الرّوح من أمر ربّي » ( 1 ) إذ بيّن أنّه أمر ربّانيّ خارج عن حدّ عقول الخلق ، ويشير إليه قوله تعالى : « إنّي جاعل في الأرض خليفة » ( 2 ) إذ لم يستحقّ آدم خلافه اللَّه إلا بتلك المناسبة وإليه يرمز قوله عليه السّلام « إنّ اللَّه خلق آدم على صورته » ( 3 ) حتّى ظنّ القاصرون أن لا صورة إلا الصورة الظاهرة المدركة بالحواسّ فشبّهوا وجسّموا وصوّروا تعالى اللَّه ربّ العالمين عمّا يقول الجاهلون علوّا كبيرا وإليه الإشارة بقوله لبعض الأنبياء وفي نسخة لموسى عليه السّلام : « مرضت فلم تعدني فقال : يا ربّ وكيف ذلك ؟ قال : مرض فلان فلم تعده ، ولو عدته لوجدتني عنده » ( 4 ) وهذه المناسبة لا تظهر إلا بالمواظبة على النوافل بعد أحكام الفرائض ، قال اللَّه عزّ وجلّ : « ولا يزال العبد يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت سمعه الَّذي يسمع به ، وبصره الَّذي يبصر به ، ولسانه الَّذي ينطق به » ( 5 ) وهذا موضع يجب قبض عنان القلم فيه فقد تحزّب الناس فيه إلى قاصرين مالوا إلى التشبيه الظاهر وإلى غالين مسرفين جاوزوا حدّ المناسبة إلى الاتّحاد وقالوا بالحلول حتّى قال بعضهم : أنا الحقّ . فضلّ النصارى في عيسى عليه السّلام وقالوا هو الإله ، وقال آخرون منهم : تدرّع الناسوت باللاهوت ، وقال آخرون : اتّحد به ، وأمّا الَّذين انكشف لهم استحالة التشبيه والتمثيل واستحالة الحلول والاتّحاد واتّضح لهم مع ذلك حقيقة السرّ فهم الأقلَّون فهذه هي المعلومة من أسباب الحبّ وجملتها متظاهرة في حقّ اللَّه تعالى تحقيقا لا مجازا وفي أعلى الدّرجات لا في أدناها فكان المعقول المقبول هو حبّ اللَّه تعالى فقطَّ عند ذوي -
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 26
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٦
هامش
( 1 ) الاسراء : 85 .
( 2 ) البقرة : 29 .
( 3 ) تقدم غير مرة .
( 4 ) تقدم أيضا .
( 5 ) تقدم عن البخاري في الصحيح والكليني في الكافي ج 2 ص 352 .