تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢

التفاوت بين علم اللَّه وعلم الخلائق أكثر من التفاوت بين علم أعلم الخلق وأجهلهم لأنّ الأعلم لا يفضل إلا بعلوم معدودة متناهية يتصوّر في الإمكان أن ينالها الأجهل بالكسب والاجتهاد ، وفضل علم اللَّه على علوم الخلائق كلَّهم خارج عن النهاية إذ معلوماته لا نهاية لها ومعلومات الخلق متناهية ، وأمّا صفة القدرة فهي أيضا كمال والعجز نقص وكلّ كمال وبهاء وعظمة وقهر ومجد واستيلاء فإنّه محبوب وإدراكه لذيذ حتّى أنّ الإنسان ليسمع في الحكاية شجاعة عليّ وغيره من الشجعان وقدرتهما واستيلاءهما على الأقران فيصادف من قلبه اهتزازا وفرحا وارتياحا ضروريّا بمجرّد السماع فضلا عن المشاهدة ويورث ذلك حبّا ضروريّا للمتّصف به فإنّه نوع كمال فأنسب الآن قدرة الخلق كلَّهم إلى قدرة اللَّه عزّ وجلّ فأعظم الأشخاص قوّة وأوسعهم ملكا وأقواهم بطشا وأقهرهم للشهوات وأقمعهم لخبائث النفس وأجمعهم للقدرة على سياسة نفسه وسياسة غيره فإنّه ينتهي قدرته ، وإنّما غايته أن يقدر على بعض صفات نفسه وعلى بعض أشخاص الإنس في بعض الأمور وهو مع ذلك لا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا نشورا ولا نفعا ولا ضرّا ، بل لا يقدر على حفظ عينه من العمى ولسانه من الخرس وإذنه من الصمم وبدنه من المرض ولا يحتاج إلى عدّ ما يعجز عنه في نفسه وغيره ممّا هو على الجملة متعلَّق قدرته فضلا عمّا لا تتعلَّق به قدرته من ملكوت السماوات وأفلاكها وكواكبها والأرض وجبالها وبحارها ورياحها وصواعقها ومعادنها ونباتها وحيواناتها وجميع أجزائها فلا قدرة له على ذرّة منها وما هو قادر عليه من نفسه وغيره فليست قدرته من نفسه وبنفسه بل اللَّه خالقه وخالق قدرته وخالق أسبابه والممكَّن له من ذلك ، ولو سلَّط بعوضا على أعظم ملك وأقوى شخص من الحيوانات لأهلكه فليس للعبد قدرة إلا بتمكين مولاه كما قال في أعظم ملك من ملوك الأرض ذي القرنين إذ قال : « إنّا مكَّنّا له في الأرض » ( 1 ) فلم يكن جميع ملكه وسلطنته إلا بتمكين اللَّه عزّ وجلّ إيّاه في جزء من الأرض والأرض كلَّها مدرة بالإضافة إلى أجسام العالم وجميع الولايات الَّتي يحظى بها الناس من الأرض

هامش
( 1 ) الكهف : 84 .