لقضائه ، العالم الَّذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ، القاهر الَّذي لا يخرج عن قبضة قدرته أعناق الجبابرة ، ولا تنفلت عن سطوته وبطشه رقاب القياصرة ، الأزليّ الَّذي لا أوّل لوجوده الأبديّ الَّذي لا آخر لبقائه ، الواجب الوجود الَّذي لا يحوم إمكان العدم حول حضرته ، القيّوم الَّذي يقوم بنفسه ويقوم كلّ موجود به ، جبّار الأرض والسماوات ، خالق الجماد والحيوان والنبات ، المتفرّد بالعزّة والجبروت ، المتوحّد بالملك والملكوت ذو الفضل والجلال والبهاء والجمال والقدرة والكمال الَّذي تتحيّر في معرفة جلاله العقول وتخرس عن وصفه الألسنة الَّذي كمال معرفة العارفين الاعتراف بالعجز عن معرفته ومنتهى نبوّة الأنبياء الإقرار بالقصور عن وصفه كما قال سيّد الأنبياء صلوات اللَّه عليه وعليهم أجمعين « أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصى ثناء عليك » ( 1 ) . أقول : وقال سيّد الأوصياء : « العجز عن درك الإدراك إدراك » ( 2 ) وقال سيّد الساجدين « سبحان من لم يجعل للخلق طريقا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته » ( 3 ) . قال أبو حامد : فليت شعري من ينكر إمكان حبّ اللَّه عزّ وجلّ تحقيقا ويجعله مجازا أينكر أنّ هذه الأوصاف من أوصاف الجمال والمحامد ونعوت الكمال والمحاسن أو ينكر كون اللَّه تعالى موصوفا بها ، أو ينكر كون الجمال والجلال والكمال والعظمة محبوبا بالطبع عند من أدركه ، فسبحان من احتجب عن أبصار العميان غيرة على جماله وجلاله أن يطَّلع عليه إلا من سبقت له منه الحسني الَّذين هم عن نار الحجاب مبعدون وترك الخاسرين في ظلمات العمى يتيهون وفي مسارح المحسوسات وشهوات البهائم يتردّدون ، يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، الحمد للَّه بل أكثرهم لا يعلمون ، فالحبّ بهذا السبب أقوى من الحبّ بالإحسان لأنّ الإحسان يزيد وينقص ولذلك أوحى اللَّه تعالى إلى داود انّ أودّ الأودّاء إليّ من عبدني بغير نوال لكن ليعطى الرّبوبيّة حقّها . وفي الزّبور من أظلم
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 24
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٤
هامش
( 1 ) تقدم كرارا عن الترمذي وغيره .
( 2 ) ما عثرت على أصل له .
( 3 ) في مناجاة العارفين من المناجاة الخمسة عشر .