محسوسة كإدراكه خلق العالم أو افتقاره إلى خالق مدبّر حكيم موصوف بصفات الإلهيّة ولنسمّ تلك الغريزة عقلا بشرط أن لا يفهم من لفظ العقل ما يدرك به طرق المجادلة والمناظرة ، فقد اشتهر اسم العقل بهذا ولهذا ذمّه من ذمّه وإلا فالصّفة الَّتي بها فارق الإنسان البهائم وبها يدرك معرفة اللَّه تعالى أعزّ الصفات فلا ينبغي أن يذمّ وهذه الغريزة خلقت فيه ليعلم بها حقائق الأمور كلَّها فمقتضي طبعها المعرفة والعلم وهي لذّتها كما أنّ مقتضى طبع سائر الغرائز هو لذّتها وليس يخفى أنّ في العلم والمعرفة لذّة حتّى أنّ الَّذي ينسب إلى العلم والمعرفة ولو في شيء خسيس يفرح به والَّذي ينسب إلى الجهل ولو في شيء حقير يغتمّ به وحتّى أنّ الإنسان لا يكاد يصبر عن التحدّي بالعلم والتمدّح به في الأشياء الحقيرة فالعالم باللَّعب بالشطرنج على خسّة لا يطيق السكوت فيه عن التعليم وينطق لسانه بذكر ما يعلمه وكلّ ذلك لفرط لذّة العلم وما يستشعره من كمال ذاته فإنّ العلم من أخصّ صفات الرّبوبيّة وهو منتهى الكمال ولذلك يرتاح الطبع إذا اثنى عليه بالذّكاء وغزارة العلم لأنّه يستشعر عند سماع الثناء كمال ذاته وكمال علمه فيعجب بنفسه ويلتذّ به ، ثمّ ليست لذّة العلم بالحراثة والحياكة والخياطة كلذّة العلم بسياسة الملك وتدبير أمر الخلق ولا لذّة العلم بالنحو والشعر كلذّة العلم باللَّه تعالى وصفاته وملائكته وملكوت السماوات والأرض ، بل لذّة العلم بقدر شرف العلم وشرف العلم بقدر شرف المعلوم حتّى أنّ الَّذي يعرف بواطن أحوال الناس ويخبر بذلك يجد له لذّة وإن جهله يتقاضاه طبعه أن يتفحّص عنه فإن علم بواطن أحوال رئيس البلد وأسرار تدبيره في رياسته كان ذلك ألذّ عنده وأطيب من علمه بباطن حال فلاح أو حائك ، فإن اطَّلع على أسرار الوزير وتدبيره وما هو عازم عليه في أمر الوزارة فهي أشهى عنده وألذّ من علمه بأسرار الرّئيس ، وإن كان خبيرا بباطن أحوال الملك والسّلطان الَّذي هو المستولي على الوزير كان ذلك أطيب عنده وألذّ من علمه بباطن أمر الوزير وكان يمدحه بذلك وحرصه على البحث عنه أشدّ وحبّه له أكثر لأنّ لذّته فيه أعظم فبهذا يستبان أنّ ألذّ المعارف أشرفها وشرفها بحسب شرف المعلوم فإن كان في المعلومات ما هو
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 28
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٨