تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
غبرة من تلك المدرة ، ثمّ تلك الغبرة أيضا من فضل اللَّه وتمكينه فيستحيل أن يحبّ عبدا من عباد اللَّه لقدرته وسياسته وتمكَّنه واستيلائه وكمال قوّته ولا يحبّ اللَّه تعالى لذلك ولا قويّ غيره ، فليس أحد قدرته من نفسه بل لا حول لأحد ولا قوّة إلا باللَّه العليّ العظيم ، فهو الجبّار القاهر والعليم القادر ، السماوات مطويّات بيمينه والأرض وما عليها في قبضته ، وناصية جميع المخلوقات في قبضة قدرته إن أهلكهم من عند آخرهم لم ينقص من سلطانه وملكه ذرّة ، وإن خلق أمثالهم ألف مرّة لم يعي بخلقها ولا يمسّه لغوب ولا فتور في اختراعها فلا قدرة ولا قادر إلا وهو أثر من آثار قدرته فله الجمال والبهاء والعظمة والكبرياء والقهر والاستيلاء ، فإن كان يتصوّر أن يحبّ قادر لكمال قدرته فلا يستحقّ الحبّ بكمال القدرة سواء أصلا ، وأمّا صفة التنزّه عن العيوب والنقائص والتقدّس عن الرّذائل والخبائث فهو أحد موجبات الحبّ ومقتضيات الحسن والجمال في الصور الباطنة والأنبياء والصدّيقون وإن كانوا منزّهين عن العيوب والخبائث فلا يتصوّر كمال التقدّس والتنزّه إلا لذي الجلال والإكرام وأمّا كلّ مخلوق فلا يخلو عن نقص وعن نقائص بل كونه عاجزا مخلوقا مسخّرا مضطرّا هو عين العيب والنقص ، فالكمال للَّه وحده فليس لغيره كمال إلا بقدر ما أعطاه وليس في المقدور أن ينعم بمنتهى الكمال على غيره فإنّ منتهى الكمال أقلّ درجاته أن لا يكون عبدا مسخّرا لغيره وقائما بغيره وذلك محال في حقّ اللَّه فهو المتفرّد بالكمال المتنزّه عن النقص المقدّس عن العيوب وشرح ذلك التقديس والتنزيه في حقّه عن النقائص يطول وهو من أسرار علوم المكاشفات فلا نطول بذكره ، فهذا الوصف أيضا إن كان كمالا وجمالا محبوبا فلا تتمّ حقيقته إلا له وكمال غيره وتنزّهه لا يكون مطلقا بل بالإضافة إلى ما هو أشدّ منه نقصانا كما أنّ للفرس كمالا بالإضافة إلى الحمار ، وللإنسان كمالا بالإضافة إلى الفرس ، وأصل النقص شامل للكلّ وإنّما يتفاوتون في درجات النقصان فإذن الجميل محبوب والجميل المطلق هو اللَّه الواحد الَّذي لا ندّ له ، الفرد الَّذي لا ضدّ له ، الصمد الَّذي لا منازع له ، الغنيّ الَّذي لا حاجة له ، القادر الَّذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا رادّ لحكمه ولا معقّب
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 23 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري