من أولياء اللَّه فلا يحبّهم إلا لحسن ما ظهر له منهم وليس ذلك لحسن صورهم ولا لحسن أفعالهم بل دلّ حسن أفعالهم على حسن الصفات الَّتي هي مصدر الأفعال إذ الأفعال آثار صادرة عنها ودالَّة عليها فمن رأى حسن تصنيف المصنّف وحسن شعر الشاعر بل حسن نقش النقّاش وبناء البنّاء انكشف له من هذه الأفعال صفاتهم الجميلة الباطنة الَّتي يرجع حاصلها عند البحث إلى العلم والقدرة فكلَّما كان المعلوم أشرف وأتمّ جمالا وجلالا وعظمة كان العلم أشرف وأجمل وكذا المقدور كلَّما كان أعظم رتبة وأجلّ مرتبة كانت القدرة عليه أجلّ رتبة وأشرف قدرا ، وأجلّ المعلومات هو اللَّه فلا جرم أحسن العلوم وأشرفها معرفة اللَّه عزّ وجلّ وكذلك ما يقاربه فشرفه على قدر تعلَّقه به فإذن جمال صفات الصدّيقين الَّذين تحبّهم القلوب طبعا يرجع إلى ثلاثة أمور أحدها علمهم باللَّه عزّ وجلّ وملائكته وكتبه ورسله وشرائع الأنبياء ، والثاني قدرتهم على إصلاح أنفسهم وإصلاح عباد اللَّه بالإرشاد والسياسة ، والثالث تنزّههم عن الرّذائل والخبائث والشهوات الغالبة الصارفة عن سنن الخير الجاذبة إلى طريق الشرّ وبمثل هذا يحبّ الأنبياء والعلماء فأنسب هذه الصفات إلى صفات اللَّه تعالى أمّا العلم فأين علم الأوّلين والآخرين من علم اللَّه الَّذي هو محيط بالكلّ إحاطة خارجة عن النهاية حتّى لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض وقد خاطب الخلق كلَّهم فقال : « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا » ( 1 ) ولو اجتمع أهل السماوات والأرض على أن يحيطوا بعلمه وحكمته في تفصيل خلقة نملة أو بعوضة لم يطَّلعوا على عشر عشيرة ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ، والقدرة اليسير الَّذي علمه الخلائق كلَّهم فبتعليمه إيّاهم علموه كما قال تعالى : « خلق الإنسان . علَّمه البيان » ( 2 ) فإن كان جمال العلم وشرفه أمرا محبوبا وكان هو في نفسه زينة وكمالا للموصوف به فلا ينبغي أن يحبّ بهذا السبب إلا اللَّه تعالى ، فعلوم العلماء جهل بالإضافة إلى علمه بل من عرف أعلم أهل زمانه وأجهل أهل زمانه استحال أن يحبّ بسبب العلم الأجهل ويترك الأعلم وإن كان الأجهل لا يخلو عن علم ما بتفاصيل معيشته و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 21
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١
هامش
( 1 ) الاسراء : 88 .
( 2 ) الرحمن : 3 و 4 .