فإذا انخفضت الشمس عن وسط السماء في مسيره برد الهواء فظهر الشتاء وإذا استوت في وسط السماء اشتدّ القيظ وإن كانت فيما بينهما اعتدل الزّمان وعجائب السماوات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها وإنّما هذا تنبيه على طريق التفكَّر واعتقد على الجملة أنّه ما من كوكب من الكواكب إلا وللَّه تعالى حكم كثيرة في خلقه ، ثمّ في مقداره ، ثمّ في شكله ، ثمّ في لونه ، ثمّ في وضعه في السماء وقربه من وسط السّماء وبعده وقربه من الكواكب الَّتي بجنبه وبعده وقس ذلك بما ذكرناه من أعضاء بدنك إذ ما من جزء إلا وفيه حكمة بل حكم كثيرة وأمر السماء أعظم بل لا نسبة لعالم الأرض إلى عالم السّماء لا في كبر جسمه ولا في كثرة معانيه ، وقس التفاوت الَّذي بينهما في كثرة معانيه بما بينهما من التفاوت في كبر الأرض فأنت تعرف من كبر الأرض واتّساع أطرافها أنّه لا يقدر آدميّ على أن يدور بجوانبها وقد اتّفق المهندسون على أنّ الشمس مثل الأرض مائة ونيّفا وستّين مرّة [ 1 ] ، وفي الأخبار ما يدلّ على عظمتها والكواكب الَّتي تراها أصغرها هي مثل الأرض ثماني مرّات وأكبرها ينتهي إلى قريب من مائة وعشرين مرّة مثل الأرض وبهذا يعرف ارتفاعها وبعدها فللبعد صارت ترى صغارا ولذلك أشار اللَّه تعالى إلى بعدها فقال : « رفع سمكها فسوّيها ( 1 ) » وفي الأخبار أنّ « بين كلّ سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام [ 2 ] » فإذا كان هذا مقدار كوكب واحد من الأرض فانظر إلى كثرة الكواكب ثمّ
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 233
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٣
هامش
( 1 ) النازعات : 28 .
[ 1 ] هذا على مذهب بطلميوس وأتباعه وأما قبله يعنى عصر هيرقلس الفيلسوف اعتقدوا بأن جرم الشمس لا يزيد عما نشاهده بالابصار كما في كتاب مشهد الكائنات ص 83 وأما اليوم فزعموا أن جسامة الشمس بالنسبة إلى الأرض تزيد من ألف ألف مرة إلى 1300000 مرة واللَّه أعلم .
[ 2 ] أخرجه الترمذي من رواية الحسن عن أبي هريرة وقال : غريب . وقال العراقي : ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا : ولم يسمع الحسن من أبي هريرة ، ورواه أبو الشيخ في كتاب العظمة من رواية أبي نصرة عن أبي ذر ورجاله ثقات إلا أنه لا يعرف لأبي نصرة سماع من أبي ذر .