تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
فهذا بيان معاقد الجمل الَّتي يجول فيها فكر المتفكَّرين في خلق اللَّه عزّ وجلّ وليس فيها فكر في ذات اللَّه ولكن يستفاد من الفكر في الخلق لا محالة معرفة الخالق وعظمته وجلاله وقدرته وكلَّما استكثرت من معرفة عجيب صنع اللَّه كانت معرفتك بجلاله وعظمته أتمّ وهذا كما أنّك تعظم عالما بسبب معرفتك بعلمه فلا يزال تطلَّع على غريبة من تصنيفه أو شعره فتزداد به معرفة وتزداد بحسبه له توقيرا وتعظيما واحتراما حتّى أنّ كلّ كلمة من كلماته وكلّ بيت عجيب من أبيات شعره يزيده محلا في قلبك ويستدعى التعظيم له من نفسك . فهكذا تأمّل في خلق اللَّه وتصنيفه وتأليفه . وكلّ ما في الوجود من خلق اللَّه وتصنيفه فالنظر والفكر فيه لا يتناهى أبدا وإنّما لكلّ عبد منها بقدر ما رزق ، فلنقتصر على ما ذكرناه ولنضف إلى هذا ما فصّلناه في كتاب الشكر فإنّا نظرنا في ذلك الكتاب إلى فعل اللَّه من حيث هو إحسان إلينا وإنعام علينا ، وفي هذا الكتاب نظرنا فيه من حيث إنّه فعل اللَّه فقطَّ وكلّ ما نظرنا فيه فإنّ الطبيعي ينظر فيه ويكون نظره سبب ضلاله وشقاوته والموفّق ينظر فيه فيكون سبب هدايته وسعادته وما من ذرّة في السّماء والأرض إلا وللَّه تعالى فيه حكم يضلّ بها من يشاء ويهدي بها من يشاء ومن نظر في هذه الأمور من حيث أنّها فعل اللَّه تعالى وصنعه استفاد منه المعرفة بجلال اللَّه وعظمته واهتدى به ومن نظر فيها قاصرا للنظر عليها من حيث تأثير بعضها في بعض لا من حيث ارتباطها بمسبّب الأسباب فقد شقي وتردّى فنعوذ باللَّه من الضّلال ونسأله أن يجنّبنا مزلَّة أقدام الجهّال بمنّه وفضله إنّه على ما يشاء قدير . تمّ كتاب التفكَّر من ربع المنجيات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء بحمد اللَّه ومنّه على يد أحقر العباد وأضعفهم محسن بن مرتضى جعله اللَّه من المتفكَّرين في ملكوت السّماوات والأرض بمنّه وكرمه . ويتلوه كتاب ذكر الموت وما بعده إن شاء اللَّه العزيز والحمد للَّه وحده والصلاة على خير خلقه محمّد وآله الطَّاهرين .