تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١

عزّ وجلّ بها فكيف ظنّك بما أقسم اللَّه عزّ وجلّ به وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال : « وفي السّماء رزقكم وما توعدون ( 1 ) » وأثنى على المتفكَّرين فيه فقال : « ويتفكَّرون في خلق السّموات والأرض ( 2 ) » وقال النبيّ عليه السّلام : « ويل لمن قرأ هذه الآية ثمّ مسح بها سبلته ( 3 ) » أي تجاوزها من غير فكرة . وذمّ المعرضين عنها فقال : « وجعلنا السّماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ( 4 ) » فأيّ نسبة لجميع البحار والأرض إلى السماء وهي متغيّرات على القرب والسماوات شداد صلاب محفوظات عن التغيّر إلى أن يبلغ الكتاب أجله ولذلك سمّاه اللَّه عزّ وجلّ محفوظا فقال : « وجعلنا السّماء سقفا محفوظا ( 5 ) » وقال : « وبنينا فوقكم سبعا شدادا ( 6 ) » وقال : « ء أنتم أشدّ خلقا أم السّماء بناها . رفع سمكها فسوّيها ( 7 ) » فانظر إلى الملكوت لترى عجائب العزّ والجبروت ولا تظننّ أنّ معنى النظر إلى الملكوت بأن تمدّ البصر إليه فترى زرقة السّماء وضوء الكواكب وتفرّقها فإنّ البهائم تشاركك في هذا النظر فإن كان هذا هو المراد فلم مدح اللَّه إبراهيم بقوله : « وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ( 8 ) » لا بل كلّ ما تدركه بحاسّة البصر فالقرآن يعبّر عنه بالملك والشهادة ، وما غاب عن الأبصار فيعبّر عنه بالغيب والملكوت ، واللَّه تعالى عالم الغيب والشهادة وجبّار الملك والملكوت ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء وهو عالم الغيب « فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول » فأطل أيّها الغافل فكرك في الملكوت فعسى أن يفتح لك أبواب السّماء فتجول بقلبك في أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرّحمن فعند ذلك ربّما يرجى لك أن تبلغ رتبة من قال : « رأى قلبي ربّي » وهذا لأنّ بلوغ الأقصى لا يكون إلا بعد مجاوزة الأدنى ، وأدنى شيء إليك نفسك ثمّ الأرض

هامش
( 1 ) الذاريات : 22 .
( 2 ) آل عمران : 191 .
( 3 ) قد تقدم .
( 4 ) الأنبياء : 32 .
( 5 ) الأنبياء : 32 .
( 6 ) النبأ : 12 .
( 7 ) النازعات : 27 و 28 .
( 8 ) الانعام : 75 .