الَّتي هي مقرّك ، ثمّ الهواء المكتنف لك ، ثمّ النبات والحيوان وما على وجه الأرض ، ثمّ عجائب الجوّ وهو ما بين السّماء والأرض ، ثمّ السماوات السبع بكواكبها ثمّ الكرسيّ ثمّ العرش ثمّ الملائكة الَّذين هم حملة العرش وخزّان السماوات ثمّ منه تجاوز النظر إلى ربّ العرش والكرسيّ والسماوات والأرض وما بينهما فبينك وبينه هذه المفاوز الفيح [ 1 ] والمسافات الشاسعة والعقبات الشاهقة [ 2 ] وأنت بعد لم تفرغ من العقبة القريبة النازلة ، وهي معرفة ظاهر نفسك ، ثمّ صرت تطلق اللَّسان بوقاحتك وتدّعي معرفة ربّك وتقول : قد عرفته وعرفت خلقه ففيما ذا أتفكَّر وإلى ما ذا أتطلَّع ؟ فارفع الآن رأسك إلى السماء وانظر فيها وفي كواكبها وفي دورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودؤبها في الحركة [ 3 ] على الدّوام من غير فتور في حركتها ومن غير تغيّر في سيرها بل يجري جميعها في منازل مرتّبة بحساب مقدّر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها اللَّه عزّ وجلّ طيّ السجلّ للكتب ، فتدبّر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها فبعضها يميل إلى الحمرة ، وبعضها إلى البياض ، وبعضها إلى اللَّون الرّصاصي ، ثمّ انظر إلى كيفيّة أشكالها فبعضها على صورة العقرب وبعضها على سورة الحمل والثور والأسد والإنسان ، وما من صورة في الأرض إلا ولها تمثال في السماء ، ثمّ انظر إلى مسير الشمس في فلكها في مدّة سنة ثمّ هي تطلع كلّ يوم وتغرب بسير آخر سخّرها لها خالقها ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف اللَّيل والنهار ولم تعرف المواقيت ولأطبق الظلام على الدّوام أو الضياء على الدّوام وكان لا يتميّز وقت المعاش عن وقت الاستراحة فانظر كيف جعل اللَّيل لباسا والنوم سباتا والنهار معاشا ، وانظر إلى إيلاجه اللَّيل في النهار والنهار في اللَّيل وإدخاله الزّيادة والنقصان عليهما على ترتيب مخصوص وانظر إلى إمالته مسير الشمس عن وسط السماء حتّى اختلف بسببه الصّيف والشتاء والرّبيع والخريف
هامش
[ 1 ] مفازة فيحاء أي واسعة . والجمع فيح .
[ 2 ] الشاسعة البعيدة ، والشاهقة : المرتفعة ( الصحاح ) .
[ 3 ] الدؤوب الجد والحركة .