ويضمرون خبائث الاعتقادات عليك وإن صدّقوك في مودّتهم إيّاك فلا يملكون لك ولا لأنفسهم ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا وقد يكون في بلدك من أغنياء اليهود والنصارى من يزيد جاهه على جاهك وقد اشتغلت بهذه الغرور وغفلت عن النظر في جمال ملكوت السّماوات والأرض ثمّ غفلت عن التنعّم بالنظر إلى جلال مالك الملكوت والملك وما مثلك ومثل عقلك إلا كمثل النملة تخرج من الجحر الَّذي حفرته في قصر مشيد من قصور الملك رفيع البنيان حصين الأركان مزيّن بالجواري والغلمان وأنواع الذّخائر والنّفائس وإنّها إذا خرجت من جحرها ولقيت صاحبتها لم تتحدّث لو قدرت على النطق إلا من بيتها وغذائها وكيفيّة ادّخارها فأمّا حال القصر والملك الَّذي في القصر فهي بمعزل عنه وعن التفكَّر فيه بل لا قدرة لها على المجاوزة بالنظر عن نفسها وغذائها وبيتها إلى غيرها وكما غفلت النملة عن القصر وعن أرضه وسقفه وحيطانه وسائر بنيانه وغفلت أيضا عن سكَّانه فأنت غافل عن بيت اللَّه تعالى وعن ملائكته الَّذين هم سكَّان سماواته فلا تعرف من السّماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك ولا تعرف من ملائكة السماوات إلا ما تعرفه النملة منك ومن سكَّان بيتك نعم ليس للنملة طريق إلى أن تعرفك وتعرف عجائب قصرك وبدائع صنعة الصانع فيه فأمّا أنت فلك قدرة على أن تجول في الملكوت وتعرف من عجائبه ما الخلق غافلون عنها ، ولنقبض عنان الكلام عن هذا النمط فإنّه مجال لا آخر له ولو استقصينا أعمارا طويلة لم نقدر على شرح ما تفضّل اللَّه عزّ وجلّ علينا بمعرفته وكلّ ما عرفناه قليل نزر حقير بالإضافة إلى ما عرفه جملة الأولياء والعلماء ، وما عرفوه قليل بالإضافة إلى ما عرفه نبيّنا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وما عرفه نبيّنا قليل بالإضافة إلى ما عرفته الملائكة المقرّبون كجبرئيل وإسرافيل وغيرهما صلوات اللَّه عليهم ثمّ جميع علوم الملائكة والجنّ والأنس إذا أضيف إلى علم اللَّه سبحانه وتعالى لم يستحقّ أن يسمّى علما ، هو إلى أن يسمّى دهشا وحيرة وقصورا وعجزا أقرب ، فسبحان من عرّف عباده ما عرّف ثمّ قال مخاطبا جميعهم : « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ( 1 ) »
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 235
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٣٥
هامش
( 1 ) الأسرى : 85 .