تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

انظر إلى السماء الَّتي الكواكب مركوزة فيها وإلى عظمتها ، ثمّ انظر إلى سرعة حركتها وأنت لا تحسّ بحركتها فضلا من أن تدرك سرعتها لكن لا تشكّ في أنّه في لحظة تسير مقدار عرض كوكب لأنّ الزّمان من طلوع أوّل جزء من كوكب إلى تمامه يسير وذلك الكوكب هو مثل الأرض مائة مرّة وزيادة ، فقد دار الفلك في هذه اللَّحظة مثل الأرض مائة مرّة وهكذا يدور على الدّوام وأنت غافل عنه ، وانظر كيف عبّر جبرئيل عليه السّلام عن سرعة حركته إذ قال له النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « هل زالت الشّمس ؟ فقال : لا ، نعم ، فقال كيف تقول : لا نعم فقال : من حيث قلت « لا » إلى أن قلت « نعم » سارت الشّمس مسيرة خمسمائة عام ( 1 ) » فانظر إلى عظم شخصها ثمّ إلى خفّة حركتها ثمّ انظر إلى قدرة الفاطر الحكيم كيف أثبت صورتها مع اتّساع أكنافها في حدقة العين مع صغرها حتّى تجلس على الأرض وتفتح عينك نحوها فترى جميعها فهذه السّماء لعظمتها وكثرة كواكبها لا تنظر إليها بل انظر إلى بارئها كيف خلقها ثمّ أمسكها من غير عمد ترونها ومن غير علاقة من فوقها تتدلَّى بها فكلّ العالم كبيت واحد والسّماء سقفه فالعجب منك إنّك تدخل بيت غني فتراه مزوّقا [ 1 ] بالصبغ مموّها بالذّهب فلا ينقطع تعجّبك عنه ولا تزال تذكره وتصف حسنه طول عمرك وأنت أبدا تنظر إلى هذا البيت العظيم وإلى أرضه وإلى سقفه وإلى هوائه وإلى عجائب أمتعته وغرائب حيواناته وبدائع نقوشه ، ثمّ لا تتحدّث فيه ولا تلتفت بقلبك إليه فما هذا البيت دون البيت الَّذي تصفه بل ذلك البيت هو أيضا جزء من الأرض الَّتي هي أخسّ أجزاء هذا البيت ومع هذا فلا تنظر إليه ، ليس له سبب إلا أنّه بيت ربّك هو الَّذي انفرد ببنائه وتزيينه وأنت قد نسيت نفسك وربّك واشتغلت ببطنك وفرجك ليس لك همّ إلا شهوتك أو حشمتك وغاية شهوتك أن تملأ بطنك ولا تقدر على أن تأكل عشر ما تأكله بهيمة فتكون البهيمة فوقك بعشر درجات وغاية حشمتك أن تقبل عليك عشرة أو مائة من معارفك فينافقون بلسانهم بين يديك

هامش
( 1 ) قال العراقي : لم أجد له أصلا .
[ 1 ] أي منقشا .