تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
البهائم إلى عالم الملأ الأعلى فقد فتحت عينيك فأدركت ظاهرها فغمّض عينك الظاهرة وانظر ببصيرتك الباطنة لترى عجائب باطنها وغرائب أسرارها وهذا أيضا باب يطول الفكر فيه ولا مطمع في استيفائه ، فتأمّل السحاب الكثيف المظلم كيف تراه تجمع في جوّ صاف لا كدورة فيه وكيف يخلقه اللَّه عزّ وجلّ إذا شاء ومتى شاء وهو مع رخاوته حامل للماء الثقيل وممسك في جوّ السّماء إلى أن يأذن اللَّه عزّ وجلّ في إرساله الماء وتقطيع القطرات كلّ قطرة بالقدر الَّذي أراده اللَّه عزّ وجلّ وعلى الشكل الَّذي شاءه فترى السّحاب يرشّ الماء على الأرض ويرسله قطرات متفاصلة لا تدرك قطرة منها أخرى ولا تتّصل واحدة بأخرى بل تنزل كلّ واحدة في الطريق الَّذي رسم لها لا تعدل عنه ولا يتقدّم المتأخّر ولا يتأخّر المتقدّم حتّى يصيب الأرض قطرة قطرة فلو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يخلقوا منها قطرة واحدة أو يعرفوا عدد ما ينزل منها في بلدة واحدة أو قرية واحدة لعجز حساب الجنّ والأنس عنه فلا يعلم عددها إلا الَّذي أوجدها ، ثمّ كلّ قطرة منها عيّنت لكلّ جزء من الأرض ولكلّ حيوان فيها من طير ووحش ودود مكتوب على تلك القطرة بخطَّ إلهي لا يدرك بالبصر الظاهر أنّها رزق الدّود الفلانية الَّذي هو في ناحية الجبل الفلاني تصل إليها عند عطشها في الوقت الفلاني هذا مع ما في انعقاد البرد الصلب من الماء اللَّطيف وفي تناثر الثلوج كالقطن المندوف من العجائب الَّتي لا تحصى كلّ ذلك فضل من الجبّار القادر وقهر من الخلاق القاهر ، ما لأحد فيه شركة ولا مدخل بل ليس للمؤمن من خلقه إلا الاستكانة والخضوع تحت جلاله وعظمته ولا للعميان الجاحدين إلا الجهل بكيفيّته ورجم الظنّ بذكر سببه وعلَّته فيقول الجاهل المغرور : إنّما ينزل الماء لأنّه ثقيل بطبعه ، وإنّما هذا سبب نزوله ويظنّ أنّ هذه معرفة انكشفت له ويفرح بها ولو قيل له : ما معنى الطَّبع ؟ وما الَّذي خلقه ؟ وما الَّذي خلق الماء الَّذي طبعه الثقل ؟ وما الَّذي يرقى الماء المصبوب في أسفل الأشجار إلى أعالي الأغصان وهي ثقيلة بطبعها فكيف هوت إلى أسفل ثمّ ارتفعت إلى فوق في داخل تجاويف الأشجار شيئا فشيئا بحيث لا يرى ولا يشاهد