مضطرّ إلى الطاعة والامتثال لما يرسمه فلا يقدر على مخالفته ولو خلاه الأمير ونفسه لما سلَّمه فكذلك كلّ محسن لو خلاه اللَّه عزّ وجلّ ونفسه لم يبذل حبّة من ماله حتّى سلَّط اللَّه الدّواعي عليه وألقى في نفسه أن حظَّه دينا ودنيا في بذله فبذله لذلك ، والثاني أنّه معتاض عمّا بذله حظَّا هو أو في عنده وأحبّ إليه عمّا بذله وكما لا يعدّ البايع محسنا لأنّه بذل بعوض هو أحبّ عنده ممّا بذله فكذلك الواهب اعتاض الثواب أو الحمد والثناء أو عوضا آخر وليس من شرط العوض أن يكون عينا متموّلا بل الحظوظ كلَّها أعواض تستحقر الأموال والأعيان بالإضافة إليها فالإحسان بالجود والجود هو بذل المال من غير عوض وحظَّ يرجع إلى الباذل وذلك محال من غير اللَّه عزّ وجلّ فهو الَّذي أنعم على العالمين إحسانا إليهم ولأجلهم لا لحظَّ وغرض يرجع إليه فإنّه يتعالى عن الأغراض والحظوظ فلفظ الجود والإحسان في حقّ غيره كذب أو مجاز ومعناه في حقّ غيره محال وممتنع امتناع الجمع بين السّواد والبياض فهو المتفرّد بالجود والإحسان والطول والامتنان فإن كان في الطبع حبّ المحسن فينبغي أن لا يحبّ العارف إلا اللَّه عزّ وجلّ إذ الإحسان من غيره محال فهو المستحقّ لهذه المحبّة وحده وأمّا غيره فيستحقّ المحبّة على الإحسان بشرط الجهل بمعنى الإحسان وحقيقته .
وأمّا السبب الثالث : وهو حبّك المحسن في نفسه
وإن لم يصل إليك إحسانه فهذا موجود في الطباع فإذا بلغك خبر ملك عالم عابد عادل رفيق بالناس متلطَّف بهم متواضع لهم وهو في قطر من أقطار الأرض بعيد عنك وبلغك خبر ملك آخر ظالم متكبّر فاسق متهتّك شرير وهو أيضا بعيد عنك فإنّك تجد في القلب تفرقة بينهما إذ تجد في القلب ميلا إلى الأوّل وهو الحبّ ونفرة عن الثاني وهو البغض مع أنّك آيس من خير الأوّل وآمن من شرّ الثاني لانقطاع طمعك عن الترحّل إلى بلادهما فهذا حبّ المحسن من حيث إنّه محسن في نفسه فقطَّ لا من حيث إنّه محسن إليك وهذا أيضا يقتضي حبّ اللَّه تعالى بل يقتضي أن لا يحبّ غيره أصلا إلا من حيث يتعلَّق منه بسبب فإنّ اللَّه تعالى هو المحسن إلى الكافّة المتفضّل على جميع أصناف
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 19
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٩