تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
ولقد أشرنا إلى طرف منه في كتاب الشكر ولكنّا الآن نقتصر على بيان أنّ الإحسان من الناس غير متصوّر إلا بالمجاز فإنّما المحسن هو اللَّه عزّ وجلّ ولنفرض ذلك فيمن أنعم عليك بجميع أمواله ومكَّنك منها لتتصرّف فيها كيف تشاء فإنّك تظنّ أنّ هذا الإحسان منه وهو غلط فإنّه إنّما تمّ إحسانه به وبماله وبقدرته على المال وبداعيته الباعثة له على صرف المال إليك فمن الَّذي أنعم بخلقه وخلق ماله وخلق قدرته وخلق إرادته وداعيته ومن الَّذي حبّبك إليه وصرف وجهه إليك وألقى في نفسه أنّ صلاح دينه ودنياه في الإحسان إليك ولولا كلّ ذلك لما أعطاك حبّة من ماله ومهما سلَّط اللَّه عليه الدّواعي وقرّر في نفسه أنّ صلاح دينه ودنياه في أن يسلَّم إليك ماله كان مقهورا مضطرّا في التسليم لا يستطيع مخالفته فالمحسن هو الَّذي اضطرّه وسخّره لك وسلَّط عليه الدّواعي الباعثة المرهقة إلى الفعل وأمّا يده فواسطة يصل بها إحسان اللَّه إليك وصاحب اليد مضطرّ فيه اضطرار مجرى الماء في جريان الماء فيه ، فإن اعتقدته محسنا أو شكرته من حيث هو محسن بنفسه لا من حيث هو واسطة كنت جاهلا بحقيقة الأمر فإنّه لا يتصوّر الإحسان من الإنسان إلا إلى نفسه وأمّا الإحسان إلى غيره فمحال من المخلوقين لأنّه لا يبذل ماله إلا لغرض له في البذل إمّا آجل وهو الثواب وإمّا عاجل وهو المنّة والاستسخار أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم أو جذب قلوب الخلق إلى الطاعة والمحبّة وكما أنّ الإنسان لا يلقى ماله في البحر إذ لا غرض له فيه فلا يلقيه في يد إنسان إلا لغرض له فيه وذلك الغرض هو مطلوبه ومقصوده ، وأمّا أنت فلست مقصودا بل يدك آلة له في القبض حتّى يحصل غرضه من الذكر والثناء أو الشكر أو الثواب بسبب قبضك المال فقد استسخرك في القبض للتوصّل إلى غرض نفسه فهو إذن محسن إلى نفسه ومعتاض عمّا بذله من ماله عوضا هو أرجح عنده من ماله ولولا رجحان ذلك الحظَّ عنده لما نزل عن ماله لأجلك أصلا البتّة ، فإذن هو غير مستحقّ للشكر والحبّ من وجهين أحدهما أنّه مضطرّ بتسليط اللَّه الدّواعي عليه ولا قدرة له على المخالفة فهو جار مجرى خازن الأمير فإنّه لا يرى محسنا بتسليم خلعة الأمير إلى من خلع عليه لأنّه من جهة الأمير
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 18 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري