الناس يغلب عليهم نوع من المعصية فينبغي أن يكون تفقّدهم لها وتفكَّرهم فيها لا في معاص هم بمعزل عنها ، مثاله العالم الورع فإنّه لا يخلو في غالب الأمر عن إظهار نفسه بالعلم وطلب الشّهرة وانتشار الصّيت إمّا بالتدريس أو بالوعظ ومن فعل ذلك تصدّى لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا الصّدّيقون فإنّه إن كان كلامه مقبولا حسن الوقع في القلوب لن ينفكّ عن الإعجاب والخيلاء والتّزيّن والتصنّع وذلك من المهلكات وإن ردّ كلامه لم ينفكّ عن أنفة وغيظ وحقد على من ردّه وهو أكثر من غيظه على من يردّ عليه كلام غيره وقد يلبّس الشيطان عليه ويقول : إنّ غيظك من حيث إنّه ردّ الحقّ وأنكره ، فإن وجد تفرقة بين أن يردّ عليه كلامه أو يردّ على عالم آخر فهو مغرور وضحكة للشيطان ، ثمّ مهما كان له ارتياح بالقبول وفرح بالثناء واستنكاف من الرّدّ والاعراض لم يخل عن تكلَّف وتصنّع لتحسين اللَّفظ والايراد حرصا على استجلاب الثّناء واللَّه لا يحبّ المتكلَّفين ، والشيطان قد يلبّس عليه ويقول : إنّما حرصك على تحسين الألفاظ والتكلَّف فيها لينتشر الحقّ ويحسن موقعه في القلب إعلاء لدين اللَّه عزّ وجلّ ، فإن كان فرحه بحسن الألفاظ وثناء الناس عليه أكثر من فرحه بثناء الناس على واحد من أقرانه فهو مخدوع وإنّما يدندن حول طلب الجاه وهو يظنّ أنّ مطلبه الدّين ومهما اختلج ضميره بهذه الصفات ظهر على ظاهره ذلك ، حتّى يكون للموقّر له المعتقد لفضله أكثر احتراما ويكون بلقائه أشدّ استبشارا ممّن يغلو في موالاة غيره وإن كان ذلك الغير مستحقّا للموالاة ، وربّما ينتهي الأمر بأهل العلم إلى أن يتغايروا تغاير النساء فيشقّ على أحدهم أن يختلف بعض تلامذته إلى غيره وإن كان يعلم أنّه منتفع بغيره ومستفيد منه في دينه وكلّ هذا رشح الصفات المهلكات المستكنّة في سرّ القلب الَّتي قد يظنّ العالم النجاة منها وهو مغرور فيها وإنّما ينكشف ذلك بهذه العلامات ففتنة العالم عظيمة وهو إمّا مالك وإمّا هالك ولا مطمع له في سلامة العوام ، فمن أحسّ في نفسه بهذه الصفات فالواجب عليه الانفراد والعزلة وطلب الخمول والمدافعة للفتاوي مهما سئل فقد كان المسجد يهوى جمعا من أصحاب النبيّ عليه السّلام كلَّهم مفتون
و
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 208
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٨