كانوا يتدافعون الفتوى فكلّ من كان يفتي كان يودّ أن يكفيه غيره وعند هذا ينبغي أن يتّقي شياطين الإنس إذ قالوا لا تفعل هذا فإنّ هذا الباب لو فتح لاندرست العلوم من بين الخلق وليقل لهم إنّ دين الإسلام مستغن عنّي فإنّه كان معمورا قبلي وكذلك يكون بعدي ولو متّ لم تنهدم أركان الإسلام فالدّين مستغن عنّي وأمّا أنا فلست بمستغن عن إصلاح قلبي وأمّا إفضاء ذلك إلى اندراس العلم فخيال يدلّ على غاية الجهل فإنّ الناس لو حبسوا في السجن وقيّدوا بالقيود وتوعّدوا بالنّار على طلب العلم لكان حبّ العلوّ والرّئاسة يحملهم على كسر القيود وهدم حيطان الحصون والخروج منها والاشتغال بطلب العلم فالعلم لا يندرس ما دام الشيطان يحبّب إلى الخلق الرّئاسة والشيطان لا يفتر عن عمله إلى يوم القيامة بل ينتهض لنشره أقوام لا نصيب لهم في الآخرة كما قال عليه السّلام : « إنّ اللَّه يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم ( 1 ) » « وإنّ اللَّه يؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر ( 2 ) » فلا ينبغي أن يغترّ العالم بهذه التلبيسات ويشتغل بمخالطة الخلق حتّى يتربّى في قلبه حبّ الجاه والثناء والتعظيم فإنّ ذلك بذر النفاق قال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « حبّ المال والجاه ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل ( 3 ) » وقال عليه السّلام : « ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فسادا فيها من حبّ الجاه والمال في دين المرء المسلم ( 4 ) » ولا ينقلع حبّ الجاه من القلب إلا بالاعتزال عن الناس والهرب من مخالطتهم وترك كلّ ما يزيد جاهه في قلوبهم فليكن فكر العالم في التفطَّن لخفايا هذه الصفات من قلبه وفي استنباط طريق الخلاص منه وهذه وظيفة العالم المتّقي ، فأمّا أمثالنا فينبغي أن يكون تفكَّرنا فيما يقوّى أيماننا بيوم الحساب إذ لو رآنا السّلف الصّالحون لقالوا قطعا إنّ هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب فما أعمالنا أعمال من يؤمن بالجنّة والنار فإنّ من خاف شيئا هرب منه ومن رجا شيئا طلبه ، وقد علمنا أنّ الهرب من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 209
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢٠٩
هامش
( 1 ) تقدما عن البخاري في صحيحه وأبي عوانة في مسنده .
( 2 ) تقدما عن البخاري في صحيحه وأبي عوانة في مسنده .
( 3 ) تقدم في المجلد السادس ص 40 .
( 4 ) رواه أحمد والترمذي وقد تقدم في المجلد السادس ص 41 .