تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠

النار بترك الشبهات والحرام وبترك المعاصي ونحن منهمكون فيها وأنّ طلب الجنّة بتكثير نوافل الطاعات ونحن مقصّرون في الفرائض منها فلم يحصل لنا من ثمرة العلم إلا أنّه يقتدى بنا في الحرص على الدّنيا والتكالب عليها ويقال : لو كان هذا مذموما لكان العلماء أولى باجتنابه منّا فليتنا كنّا كالعوام إذا متنا ماتت معنا ذنوبنا فما أعظم الفتنة الَّتي تعرّضنا لها لو تفكَّرنا فيها فنسأل اللَّه عزّ وجلّ أن يصلحنا ويصلح بنا ويوفّقنا للتوبة قبل أن يتوفّانا إنّه الكريم اللَّطيف بنا المنعم علينا فهذه مجاري أفكار العلماء والصّالحين في علم المعاملة فإن فرغوا منها انقطع التفاتهم عن أنفسهم وارتقوا منها إلى التفكَّر في جلال اللَّه وعظمته والتنعّم بمشاهدته بعين القلب ولا يتمّ ذلك إلا بعد الانفكاك من جميع المهلكات والاتّصاف بجميع المنجيات وإن ظهر منه شيء قبل ذلك كان مدخولا معلولا مكدّرا مقطوعا وكان ضعيفا كالبرق الخاطف لا يثبت ولا يدوم ويكون كالعاشق الَّذي خلا بمعشوقه ولكن تحت ثيابه عقارب تلدغه مرّة بعد أخرى فيتنغّص عليه لذّة المشاهدة ولا طريق له في إكمال التنعّم إلا بإخراج العقارب من ثيابه وهذه الصفات المذمومة عقارب وحيّات وهي مؤذيات ومشوّشات وفي القبر يزيد ألم لدغها على لدغ العقارب والحيّات فهذا القدر كاف في التنبيه على مجاري فكر العبد في صفات نفسه المحبوبة والمكروهة عند ربّه . القسم الثاني الفكر في جلال اللَّه وعظمته وكبريائه وفيه مقامات : المقام الأول وهو الأعلى الفكر في ذاته وصفاته ومعاني أسمائه وهذا ممّا منع منه حيث قيل : « تفكَّروا في خلق اللَّه ولا تتفكَّروا في ذات اللَّه ( 1 ) » وذلك لأنّ العقول تتحيّر فيه فلا يطيق مدّ البصر إليه إلا الصدّيقون ثمّ لا يطيقون دوام النظر إليه بل سائر الخلق أحوال أبصارهم بالإضافة إلى جلال اللَّه كحال بصر الخفّاش بالإضافة إلى نور الشمس فإنّه لا يطيقه البتّة بل يختفي نهارا وإنّما يتردّد دليلا لينظر في بقيّة نور الشمس إذا وقع على الأرض وأحوال الصّدّيقين كحال الإنسان بالنظر إلى الشمس فإنّه يقدر على النظر إليها ولكن لا يطيق دوامه ويخشى على بصره لو

هامش
( 1 ) تقدم في باب فضيلة التفكر .