أدام النظر إليها ونظره المختطف إليها يورث العمش وتضعف البصر وكذلك النظر إلى ذات اللَّه عزّ وجلّ يورث الحيرة والدّهش واضطراب العقل فالصواب إذن أن لا يتعرّض لمجاري الفكر في ذات اللَّه وصفاته فإنّ أكثر العقول لا تحتمله بل القدر اليسير الَّذي صرّح به بعض العلماء ، وهو أنّ اللَّه عزّ وجلّ مقدّس عن المكان ، منزّه عن الأقطار والجهات ، وأنّه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متّصل بالعالم ولا هو منفصل عنه ، قد حيّر عقول أقوام حتّى أنكروه إذ لم يطيقوا أسماعه ومعرفته بل ضعفت طائفة عن احتمال أقلّ من هذا إذ قيل لهم : إنّه يتعالى عن أن يكون له رأس ورجل ويد وعين وعضو ، وأن يكون جسما مشخّصا له حجم ومقدار فأنكروا هذا فظنّوا أنّ ذلك قدح في عظمته وجلاله حتّى قال بعض الحمقى من العوام : إنّ هذا وصف بطَّيخ هندي لا وصف الإله فظنّ المسكين أنّ الجلالة والعظمة في هذه الأعضاء وهذا لأنّ الإنسان لا يعرف إلا نفسه ولا يستعظم إلا نفسه ، فكلّ ما لا يساويه في صفاته فلا يفهم العظمة فيه نعم غايته أن يقدّر نفسه جميل الصورة جالسا على سريره وبين يديه غلمان يمتثلون أمره فلا جرم غايته أن يقدّر ذلك في حقّ اللَّه تعالى وتقدّس حتّى يفهم العظمة بل لو كان للذّباب عقل وقيل له : ليس لخالقك جناحان ولا يد ولا رجل ولا له طيران لأنكر ذلك ، وقال : كيف يكون خالقي أنقص منّي أفيكون مقصوص الجناح أو يكون زمنا لا يقدر على الطيران ، أو يكون لي آلة وقدرة ولا يكون له مثلها وهو خالقي ومصوّري وعقول أكثر الخلق قريبة من هذا العقل ، وإنّ الإنسان جهول ظلوم كفّار ولذلك أوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى بعض أنبيائه لا تخبر عبادي بصفاتي فينكرون ولكن أخبرهم عنّي بما يفهمون ولمّا كان النظر في ذات اللَّه عزّ وجلّ وصفاته مخطرا من هذا الوجه اقتضى أدب الشرع وصلاح الخلق بأن لا يتعرّض لمجاري الفكر فيه لكنّا نعدل إلى المقام الثاني وهو النظر إلى أفعاله وعجائب صنعه وبدائع أمره في خلقه فإنّها تدلّ على جلاله وكبريائه وتقدّسه وتعاليه وتدلّ على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيّته وقدرته فننظر إلى صفاته من آثار صفاته فإنّا لا نطيق النظر إلى صفاته كما أنّا [ لا ] نطيق النظر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 211
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص٢١١