تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦

حقّ تأمّله لم ينقطع فيها نظره طول عمره ، وشرح آحاد الآيات والأخبار يطول فانظر إلى قوله عليه السّلام : « إنّ روح القدس نفث في روعي : أحبب من أحببت فإنّك مفارقه وعش ما شئت فإنّك ميّت واعمل ما شئت فإنّك مجزيّ به » ( 1 ) فإنّ هذه الكلمات جامعة حكم الأوّلين والآخرين وهي كافية للمتأمّلين فيها طول العمر إذ لو وقفوا على معانيها وغلبت على قلوبهم غلبة يقين لاستغرقتهم ولحالت بينهم وبين التلفّت إلى الدّنيا بالكلَّية فهذا هو طريق الفكر في علوم المعاملة وصفات العبد من حيث هي محبوبة عند اللَّه أو مكروهة والمبتدي ينبغي أن يكون مستغرق الهمّ في هذه الأفكار حتّى يعمر قلبه بالأخلاق المحمودة والمقامات الشريفة وينزّه باطنه وظاهره عن المكاره وليعلم أنّ هذا مع أنّه أفضل من سائر العبادات فليس هو غاية المطلب بل المشغول به محجوب عن مطلب الصدّيقين وهو التنعّم بالفكر في جلال اللَّه وجماله واستغراق القلب بحيث يفنى عن نفسه أي ينسى نفسه وأحواله ومقاماته وصفاته فيكون مستغرق الهمّ بالمحبوب كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب فإنّه لا يتفرّغ للنظر في أحوال نفسه وأوصافها بل يبقى كالمبهوت الغافل عن نفسه وهو منتهى لذّة العشّاق فأمّا ما ذكرناه فهو تفكَّر في عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال فإذا ضيّع جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعّم بالقرب ولذلك كان الخوّاص يدور في البوادي فلقيه الحسين بن منصور وقال له : فيم أنت ؟ قال : أدور في البوادي أصلح حالي في التوكَّل قال : أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التّوحيد . فالفناء في الواحد الحقّ هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصدّيقين وأمّا التنزّه عن الصّفات المهلكات فيجري مجرى الخروج عن العدّة في النكاح والاتّصاف بالصّفات المنجيات وسائر الطاعات يجري مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها ، فإن استغرقت جميع عمرها في تبرئة الرّحم وتزيين الوجه كان ذلك حجابا لها عن لقاء زوجها فهكذا ينبغي أن تفهم طريق الدّين إن كنت من أهل المجالسة وإن كنت كالعبد

هامش
( 1 ) تقدم غير مرة .