تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
السّوء لا يتحرّك إلا خوفا من الضرب وطمعا في الأجر ، فدونك وإتعاب البدن بالأعمال الظاهرة فإنّ بينك وبين القلب حجابا كثيفا فإذا قضيت حقّ الأعمال كنت من أهل الجنّة ولكن للمجالسة قوم آخرون ، فإذا عرفت مجال الفكر في علوم المعاملة الَّتي بين العبد وبين ربّه فينبغي أن تتّخذ ذلك عادتك وديدنك في كلّ صباح ومساء ، فلا تغفل عن نفسك وعن صفاتك المبعدة عن اللَّه عزّ وجلّ وأحوالك المقرّبة إليه تعالى بل كلّ مريد فينبغي أن يكون له جريدة يكتب فيها جملة الصفات المهلكات وجملة الصفات المنجيات وجملة المعاصي والطاعات ويعرض نفسه عليها كلّ يوم ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة فإنّه إن سلم منها سلم من غيرها وهي البخل والكبر والعجب والرّياء والحسد وشدّة الغضب وشره الطعام وشره الوقاع وحبّ المال وحبّ الجاه . ومن المنجيات عشرة وهي الندم على الذّنوب والصبر على البلاء والرّضا بالقضاء والشكر على النّعماء واعتدال الخوف والرّجاء والزّهد في الدّنيا والإخلاص في العمل وحسن الخلق مع الخلق وحبّ اللَّه والخشوع له . فهذه عشرون خصلة عشر منها مذمومة وعشر محمودة . فمهما كفي عن المذمومات واحدة فيخطَّ عليها في جريدته ويدع الفكر فيها ويشكر اللَّه عزّ وجلّ على كفايته إيّاها وتنزيه قلبه عنها ويعلم أنّ ذلك لم يتمّ إلا بتوفيق اللَّه وعونه ولو وكله إلى نفسه لم يقدر على محو أقلّ الرّذائل عن نفسه فيقبل على التسع البواقي وهكذا يفعل حتّى يخطَّ على الجميع وكذلك يطالب نفسه بالاتّصاف بالمنجيات فإذا اتّصف بواحدة منها كالتّوبة والندم مثلا خطَّ عليها واشتغل بالبواقي وهذا يحتاج إليه المريد المتشمّر فأمّا أكثر النّاس من المعدودين من الصّالحين فينبغي أن يثبتوا في جريدتهم المعاصي الظاهرة كالأكل بالشّبهة وإطلاق اللَّسان بالغيبة والنميمة والمراء والثّناء على النّفس والإفراط في معاداة الأعداء وموالاة الأولياء والمداهنة مع الخلق في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنّ أكثر من يعدّ نفسه من وجوه الصالحين لا ينفكّ عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه وما لم يطهّر الجوارح من الآثام لا يمكنه الاشتغال بعمارة القلب وتطهيره بل كلّ فريق من