أعضائي بقدرته فكيف أعجب بعملي أو بنفسي ولا قوام لنفسي بنفسي ، وإذا أحسّ في نفسه بالكبر قرّر على نفسه ما فيها من الحماقة ويقول لها : لم ترين نفسك أكبر والكبير من هو كبير عند اللَّه وذلك ينكشف بعد الموت ، وكم من كافر في الحال يموت متقرّبا إلى اللَّه تعالى بنزوعه عن الكفر وكم من مسلم يموت شقيّا بتغيّر حاله عند الموت بسوء الخاتمة ، فإذا عرف أنّ الكبر مهلك وأنّ أصله الحماقة فيتفكَّر في علاج إزالته بأن يتعاطى أفعال المتواضعين ، وإذا وجد في نفسه شهوة الطعام وشرهه تفكَّر في أنّ هذه صفة البهائم ولو كان في شهوة الطعام والوقاع كمال لكان ذلك من صفات اللَّه وصفات الملائكة كالعلم والقدرة ولما اتّصف بهما البهائم ومهما كان الشره عليه أغلب كان بالبهائم أشبه وعن الملائكة المقرّبين أبعد ، وكذلك يقرّر على نفسه في الغضب ثمّ يتفكَّر في طريق العلاج وكلّ ذلك ذكرناه في هذه الكتب فمن يريد أن يتّسع له طريق الفكر فلا بدّ له من تحصيل ما في هذه الكتب .
وأمّا النوع الرابع
وهو المنجيات فهو التوبة والندم على الذّنوب والصبر على البلاء والشكر على النعماء والخوف والرّجاء والزّهد في الدّنيا والإخلاص والصدق في الطاعات ومحبّة اللَّه عزّ وجلّ وتعظيمه والرّضا بأفعاله والشوق إليه والخشوع والتواضع له ، وكلّ ذلك ذكرناه في هذا الرّبع وذكرنا أسبابه وعلاماته فليتفكَّر العبد كلّ يوم وليلة في قلبه وما الَّذي يعوزه [ 1 ] من هذه الصفات الَّتي هي المقرّبة إلى اللَّه عزّ وجلّ ، فإذا افتقر إلى شيء منها فليعلم أنّها أحوال لا يثمرها إلا علوم وأنّ العلوم لا يثمرها إلا أفكار ، فإذا أراد أن يكتسب لنفسه حال التوبة والندم فليفتّش عن ذنوبه أوّلا وليتفكَّر فيها وليجمعها على نفسه وليعظمها في قلبه ، ثمّ لينظر في الوعيد والتشديد الَّذي ورد في الشرع فيه وليحقّق عند نفسه أنّه متعرّض لمقت اللَّه عزّ وجلّ به حتّى ينبعث له حال الندم ، وإذا أراد أن يستثير من قلبه حال الشكر فلينظر في إحسان اللَّه تعالى إليه وأياديه عليه وفي إرساله جميل ستره عليه على ما شرحنا بعضه في كتاب الشكر فليطالع ذلك ، وإذا أراد حال المحبّة والشوق
هامش
[ 1 ] أعوز الرجل اعوازا افتقر ، وأعوزه الدهر أفقره .