وتعطيله ، وكذلك يتفكَّر في اللَّسان ويقول : إنّي قادر على أن أتقرّب إلى اللَّه تعالى بالوعظ وبالتودّد إلى قلوب أهل الصلاح وبالسؤال عن أحوال الفقراء وإدخال السّرور على قلب زيد الصّالح وعمرو العالم بكلمة طيّبة وكلّ كلمة طيّبة فإنّها صدقة وكذلك يتفكَّر في ماله فيقول : أنا قادر على أن أتصدّق بالمال الفلاني فإنّي مستغن عنه ومهما احتجت إليه رزقني اللَّه مثله وإن كنت محتاجا الآن فأنا إلى ثواب الإيثار أحوج منّي إلى ذلك المال ، وهكذا يفتّش عن أعضائه وجملة بدنه وأمواله بل عن دوابّه وغلمانه وأولاده فإنّ كلّ ذلك أدواته وأسبابه ويقدر على أن يطيع اللَّه عزّ وجلّ بها ويستنبط بدقيق الفكر وجوه الطاعات الممكنة بها ويتفكَّر فيما يدعوه إلى البدار إلى تلك الطاعات ويتفكَّر في إخلاص النيّة فيها ويطلب لها مظانّ الاستحقاق حتّى يزكو بها عمله وقس على هذا سائر الطاعات .
وأمّا النّوع الثالث فهو الصفات المهلكة الَّتي محلَّها القلب فيعرفها ممّا ذكرناه في ربع المهلكات وهي استيلاء الشهوة والغضب والبخل والكبر والعجب والرّياء والحسد وسوء الظنّ والغفلة والغرور وغير ذلك ويتفقّد من قلبه هذه الصفات فإن ظنّ أنّ قلبه منزّه عنها فيتفكَّر في كيفيّة امتحانه والاستشهاد بالعلامات عليه فإن النفس أبدا تعده الخير من نفسها وتكذب فإذا ادّعت التواضع والبراءة من الكبر فينبغي أن يجرّب نفسه بحمل حزمة حطب في السّوق كما كان الأوّلون يجرّبون به أنفسهم ، وإذا ادّعت الحلم تعرّض لغضب يناله من غيره ثمّ يجرّبها في كظم الغيظ وكذلك في سائر الصّفات ، وهذا تفكَّر في أنّه هل هو موصوف بالصّفة المكروهة أم لا ، ولها علامات ذكرناها في ربع المهلكات فإذا دلَّت العلامات على وجودها فكَّر في الأسباب الَّتي تقبح تلك الصفات عنده ويتبيّن أنّ منشأها من الجهل والغفلة وخبث الدّخلة [ 1 ] كما لو رأى في نفسه عجبا بالعمل فيتفكَّر ويقول : إنّما عملي ببدني وجارحتي وبقدرتي وإرادتي وكلّ ذلك ليس منّي ولا إليّ وإنّما هو من خلق اللَّه عزّ وجلّ وفضله عليّ فهو الَّذي خلقني وخلق قدرتي وإرادتي وهو الَّذي حرّك
هامش
[ 1 ] دخلة الرجل - مثلثة - ودخيلته نيته ومذهبه وجميع أمره .