تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
مرفوعا إلى جهة السّماء ومقرّه قبر محفور تحت الأرض فهل في الدّنيا حمق وانتكاس أعظم من هذا يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا ، أما تستحين من مساعدة هؤلاء على حماقتهم واحسبي أنّك لست ذات بصيرة تهتدين إلى هذه الأمور وإنّما تميلين بالطبع إلى التشبّه والاقتداء فقيسي عقل الأنبياء والحكماء والعلماء بعقل هؤلاء المكبّين على الدّنيا واقتدى بين الفريقين بمن هو أعقل عندك إن كنت تعتقدين في نفسك العقل والذّكاء يا نفس ما أعجب أمرك وأشدّ جهلك وأظهر طغيانك ، عجبا لك كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجليّة فلعلَّك أسكرك حبّ الجاه وأدهشك عن فهمها أو ما تتفكَّرين في أنّ الجاه لا معنى له إلا ميل قلوب الناس إليك فاحسبي أنّ كلّ من على وجه الأرض سجدوا لك وأطاعوك أفما تعرفين أنّ بعد خمسين سنة لا تبقى أنت ولا أحد ممّن على وجه الأرض ممّن عبدك وسجد لك وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك وذكر من ذكرك كما أتى على الملوك الَّذين كانوا من قبلك فهل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا . فكيف تبيعين ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى أكثر من خمسين سنة لو بقي هذا إن كنت ملكا من ملوك الأرض سلَّم لك الشرق والغرب حتّى أذعنت لك الرّقاب وانتظمت لك الأسباب كيف ويأبى إدبارك وشقاوتك أن يسلَّم لك أمر محلَّتك بل أمر دارك فضلا عن محلَّتك فإن كنت لا تتركين الدّنيا رغبة في الآخرة لجهلك وعمى بصيرتك فما لك لا تتركينها ترفّعا عن خسّة شركائها ، وتنزّها عن كثرة عنائها ، وتوقّيا من سرعة فنائها أم ما لك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها ، وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا تخلو بلدك عن جماعة من يهود أو مجوس يسبقونك بها ويزيدون عليك في نعيمها وزينتها فأفّ لدنيا سبقك بها هؤلاء الأخسّاء فما أجهلك وأخسّ همّتك وأسقط رأيك إذ رغبت عن أن تكوني في زمرة المقرّبين من الصدّيقين والنبيّين في جوار ربّ العالمين أبد الآبدين لتكوني في صفّ النعال من جملة الحمقى الجاهلين أيّاما قلائل ، فيا حسرة عليك إذ خسرت الدّنيا والدّين ، فبادري ويحك فقد أشرفت على الهلاك واقترب الموت وورد النذير