والموت لك بالمرصاد ولعلَّه يختطفك من غير مهل فبما ذا أمنت استعجال الأجل . وهب إنّك وعدت الإمهال ألف سنة أفتظنّين أنّ من لا يعلف الدّابة في حضيض العقبة يفلح ويقدر على قطع العقبة بها ؟ إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك ، أرأيت لو سافر رجل ليتفقّه في الغربة فأقام فيها سنين متعطَّلا بطَّالا يعد نفسه بالتفقّه في السنة الأخيرة من رجوعه إلى وطنه هل كنت تضحكين من عقله وظنّه أن تفقّيه النفس ممّا يطمع فيه بمدّة قريبة ، أو حسبانه أنّ منازل الفقهاء تنال من غير تفقّه اعتمادا على كرم اللَّه سبحانه ، ثمّ هب أنّ الجهد في آخر العمر نافع وأنّه موصل إلى الدّرجات العلى فلعلّ اليوم آخر عمرك فلم لا تشتغلين به فان أوحي إليك بالإمهال فما المانع لك من المبادرة وما الباعث لك على التسويف هل له سبب إلا عجزك عن مخالفة شهوتك لما فيه من التعب والشقّة أفتنتظرين يوما يأتيك لا تعسر فيه مخالفة الشهوات هذا يوم لم يخلقه اللَّه ولا يخلقه ولا تكون الجنّة قطَّ إلا محفوفة بالمكاره ، ولا يكون المكاره قطَّ خفيفة على النفوس وهذا محال وجوده ، أما تتأمّلين منذ كم تعدين نفسك وتقولين :
غدا غدا ، فقد جاء الغد وصار يوما فكيف وجدته ، أما علمت أنّ الغد الَّذي جاء وصار يوما كان له حكم الأمس لا بل ما تعجزين عنه اليوم فأنت غدا عنه أعجز وأعجز لأنّ الشهوة كالشجرة الرّاسخة الَّتي تعبّد الرّجل على قلعها فإذا عجز عن قلعها للضعف وأخّرها كان كمن عجز عن قلع شجرة وهو شابّ قويّ فأخّرها إلى سنة أخرى مع العلم بأنّ طول المدّة يزيد الشجرة قوّة ورسوخا ويزيد القالع ضعفا ووهنا فما لا يقدر عليه في الشباب فلا يقدر عليه قطَّ في المشيب ، بل من العناء رياضة الهرم ، ومن التعذيب تهذيب الذّئب ، والقضيب الرّطب سهل الانحناء فإذا جفّ وطال عليه الزّمان لم يقبله ، فإذا كنت لا تفهمين هذه الأمور الجليّة وتركنين إلى التسويف فما لك تدّعين الحكمة وأيّة حماقة تزيد على هذه الحماقة ولعلَّك تقولين ما يمنعني عن الاستقامة إلا حرصي على لذّة الشهوات وقلَّة صبري على الآلام والمشقّات فما أحمقك وأقبح اعتذارك إن كنت صادقة في ذلك فاطلبي التنعّم بالشهوات الصافية عن الكدورات أبد الآباد ولا مطمع في ذلك إلا في الجنّة فإن كنت ناظرة لنفسك فالنظر
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 183
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٣