لها في مخالفتها فربّ اكلة تمنع أكلات ، وما قولك في عقل مريض أشار عليه الطبيب بترك الماء البارد ثلاثة أيّام ليصحّ ويتهنّأ لشربه طول العمر وأخبر أنّه إن شربه مرض مرضا مزمنا وامتنع عليه شربه طول العمر فما مقتضى العقل في قضاء حقّ الشهوة أيصبر ثلاثة أيّام ليتنعّم طول العمر أم يقضي شهوته في الحال خوفا من ألم المخالفة ثلاثة أيّام حتّى يلزمه ألم المخالفة ثلاثمائة يوم وثلاثة آلاف يوم وجميع عمرك بالإضافة إلى الأبد الَّذي هو مدّة نعيم أهل الجنّة وعذاب أهل النار أقلّ من ثلاثة أيّام بالإضافة إلى جميع العمر وإن طالت مدّته ، وليت شعري ألم الصبر عن الشهوات أعظم شدّة وأطول مدّة أو ألم النار في دركات جهنّم ؟ فمن لا يطيق الصبر على ألم المجاهدة كيف يطيق ألم عذاب اللَّه ؟ . ما أراك تتوانين عن النظر لنفسك إلا لكفر خفيّ أو لحمق جليّ أمّا الكفر الخفي فهو ضعف إيمانك بيوم الحساب وعظم قدر الثواب والعقاب وأمّا الحمق الجليّ فاعتمادك على كرم اللَّه تعالى وعفوه من غير التفات إلى مكره واستدراجه واستغنائه عن عبادتك مع أنّك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز وحبّة من المال وكلمة واحدة تسمعينها من الخلق ، بل تتوصّلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل وبهذا الجهل تستحقّين لقب الحماقة من النبيّ عليه السّلام حيث قال : « الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على اللَّه الأماني » ( 1 ) ويحك يا نفس لا ينبغي أن تغرّنّك الحياة الدّنيا ولا يغرّنك باللَّه الغرور ، فانظري لنفسك فيما أمرك ولا تضيّعي أوقاتك فإنّ الأنفاس معدودة وإذا مضى نفس منك فقد مضى بعضك ، فاغتنمي الصحّة قبل السقم ، والفراغ قبل الشغل ، والغنى قبل الفقر والشباب قبل الهرم ، والحياة قبل الموت ، واستعدّي للآخرة على قدر بقائك فيها أما تستعدّين للشتاء بقدر طول مدّته فتجمعين له القوت والكسوة والحطب واللَّبد والجبّة ولا تتّكلين في ذلك على فضل اللَّه وكرمه حتّى يدفع البرد عنك من غير جبّة ولبد وحطب فانّه قادر على ذلك ، أفتظنّين أنّ زمهرير جهنّم أخفّ بردا أو أقصر مدّة من زمهرير الشتاء أم تظنّين أنّ العبد ينجو منها بغير سعي ،
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 184
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٤
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في السنن وتقدم غير مرة .