أملهم غرورا ، أما لك بهم عبرة أما لك إليهم نظرة أتظنّين أنّهم دعوا إلى الآخرة وأنت من الخالدين هيهات هيهات ساء ما تتوهّمين ما أنت إلا في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمّك فابني على ظهر الأرض قصرك فإنّ بطنها عن قليل يكون قبرك ، أما تخافين إذا بلغت النفس منك التراقي أن تبدو رسل ربّك منحدرة إليك بسواد الألوان وكلح الوجوه وبشّروك بالعذاب فهل ينفعك حينئذ الندم أو يقبل منك الحزن أو يرحم منك البكاء ، والعجب كلّ العجب منك أنّك مع هذا تدّعين البصيرة والفطنة ومن فطنتك أنّك تفرحين كلّ يوم بزيادة مالك ولا تحزنين بنقصان عمرك وما نفع مال يزيد وعمر ينقص . ويحك يا نفس تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك ، فكم من مستقبل يوما لم يستكمله وكم من مؤمّل لغد لم يبلغه وأنت تشاهدين ذلك في إخوانك وأقاربك وجيرانك وترين تحسّرهم عند الموت ثمّ لا ترجعين عن جهالتك فاحذري يا مسكينة يوما آلى اللَّه تعالى فيه على نفسه أن لا يترك فيه عبدا أمره في الدّنيا ونهاه حتّى يسأله عن عمله دقيقه وجليله سرّه وعلانيته ، فانظري بأيّ بدن تقفين بين يديه وبأيّ لسان تجيبين وأعدّي للسؤال جوابا وللجواب صوابا واعملي بقيّة عمرك في أيّام قصار لأيّام طوال وفي دار زوال لدار مقامة ، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود ، واعملي قبل أن لا تعملي واخرجي من الدّنيا اختيارا خروج الأحرار قبل أن تخرجي منها على الاضطرار ، ولا تفرحي بما يساعدك من زهرات الدّنيا فربّ مسرور مغبون وربّ مغبون لا يشعر فويل لمن له الويل ثمّ لا يشعر ، يضحك ويفرح ويمرح ويأكل ويشرب ويلهو ، وقد حقّ له في كتاب اللَّه أنّه من وقود النار ، فليكن نظرك يا نفس إلى الدّنيا اعتبارا وسعيك لها اضطرارا ورفضك لها اختيارا وطلبك للآخرة ابتدارا ولا تكوني ممّن يعجز عن شكر ما أوتي ويبتغي الزّيادة فيما بقي وينهى النّاس ولا ينتهي ، واعلمي أنّه ليس للدّين عوض ولا للإيمان بدل ولا للجسد خلف ومن كانت مطيّته اللَّيل والنّهار فإنّه يسار به وإن لم يسر ، فاتّعظي يا نفس بهذه الموعظة واقبلي هذه النصيحة فإنّ من أعرض عن الموعظة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 188
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٨