هيهات كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبّة والنار وسائر الأسباب فلا يندفع حرّ النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات وإنّما كرم اللَّه عزّ وجلّ في أن عرّفك طريق التحصّن ويسّر لك أسبابه لا في أن يدفع عنك العذاب دون حصنه كما أنّ كرم اللَّه تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النّار وهداك لطريق استخراجها من بين حديدة وحجر حتّى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك وكما أنّ شرى الحطب والجبّة ممّا يستغنى عنه خالقك ومولاك وإنّما تشترينه لنفسك إذ جعله سببا لاستراحتك وطاعتك ومجاهدتك أيضا هو مستغن عنها وإنّما هي طريقك إلى نجاتك فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها واللَّه غنيّ عن العالمين ، ويحك انزعي عن جهلك وقيسي آخرتك بدنياك « فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة وكما بدأكم تعودون » وسنّة اللَّه لن تجد لها تبديلا ولا تحويلا ، وما أراك إلا ألفت الدّنيا وأنست بها فعسرت عليك مفارقتها وأنت مقبلة على مقاربتها وتؤكَّدين نفسك مودّتها ، فاحسبي أنّك غافلة عن عقاب اللَّه وثوابه وعن أهوال يوم القيامة وأحوالها فما أنت موقنة بالموت المفرّق بينك وبين محابّك ، أفترى أنّ من دخل دار ملك ليخرج من الجانب الآخر فمدّ بصره إلى وجه مليح يعلم أنّه يستغرق ذلك قلبه ثمّ يضطرّ لا محالة إلى مفارقته أهو معدود من العقلاء أم من الحمقاء ، أما تعلمين أنّ الدّنيا دار لملك الملوك وما أنت فيها إلا مجتاز وكلّ ما فيها لا يصحب المجتازين بها بعد الموت ولذلك قال سيّد البشر عليه السّلام : « إنّ روح القدس نفث في روعي أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه ، وعش ما شئت فإنّك ميّت ، واعمل ما شئت فإنّك مجزيّ به ( 1 ) » أما تعلمين أنّ كلّ من التفت إلى ملاذّ الدنيا وأنس بها مع أنّ الموت من ورائه فإنّما يستكثر من الحسرة عند المفارقة وإنّما يتزوّد من السمّ المهلك وهو لا يدري ، أو ما تنظرين إلى الَّذين مضوا كيف بنوا وعلوا ثمّ ذهبوا وخلوا ، وكيف أورث اللَّه أرضهم وديارهم أعداءهم ، أما تراهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ويبنون ما لا يسكنون ويأمّلون ما لا يدركون ، يبني كلّ واحد قصرا
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 185
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٥
هامش
( 1 ) تقدم في العلم وغيره .