تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فقد رضي بالنّار وما أراك بها راضية ولا لهذه الموعظة واعية وإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة فاستعيني عليها بدوام التهجّد والقيام ، فإن لم تزل فبالمواظبة على الصيام ، فإن لم تزل فبقلَّة المخالطة والكلام فإن لم تزل فبصلة الأرحام واللَّطف بالأيتام ، فإن لم تزل فاعلمي أنّ اللَّه قد طبع على قلبك وأقفل عليه وأنّه قد تراكمت ظلمة الذّنوب على ظاهره وباطنه فوطَّني نفسك على النّار فقد خلق اللَّه الجنّة وخلق لها أهلا وخلق النار وخلق لها أهلا وكلّ ميسّر لما خلق له ، فإن لم يبق فيك مجال للوعظ فاقنطي من نفسك والقنوط كبيرة من الكبائر نعوذ باللَّه منها ، فلا سبيل لك إلى القنوط ولا سبيل لك إلى الرّجاء مع انسداد طرق الخير عليك فإنّ ذلك اغترار وليس برجاء فانظري الآن هل يأخذك حزن على هذه المصيبة الَّتي ابتليت بها وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك فإن سمحت فمستقى الدّمع من بحر الرّحمة فقد بقي فيك موضع للرّجاء فواظبي على النياحة والبكاء واستغيثي بأرحم الرّاحمين واشتكي إلى أكرم الأكرمين وأدمني الاستغاثة ولا تملَّي طول الشكاية لعلَّه أن يرحم ضعفك ويغيثك فإنّ مصيبتك قد عظمت وبليّتك قد تفاقمت وتماديك قد طال وقد انقطعت منك الحيل وزاحت عنك العلل فلا مذهب ولا مطلب ولا مستغاث ولا مهرب ولا منجا ولا ملجأ إلا إلى مولاك ، فافزعي إليه بالتضرّع واجزعي في تضرّعك على قدر عظم جرمك وكثرة ذنوبك فإنّه يرحم المتضرّع الذّليل ويغيث الطالب المتلهّف ويجيب دعوة المضطرّ الذّليل وقد أصبحت إليه مضطرّة وإلى رحمته محتاجة وقد ضاقت بك السبل وانسدّت عليك الطرق وانقطعت منك الحيل ولم تنجع فيك العظات ولم يكسرك التوبيخ فالمطلوب منه كريم ، والمسؤول عنه جواد ، والمستغاث به برّ رؤوف ، والرّحمة واسعة ، والكرم فائض ، والعفو شامل وقولي : يا أرحم الرّاحمين يا رحمن يا رحيم يا حليم يا كريم أنا المذنب المصرّ أنا الجريء الَّذي لا أقلع ، أنا المتمادي الَّذي لا استحي ، هذا المقام مقام المتضرّع المسكين والبائس الفقير والضعيف الحقير والهالك الغريق فعجّل إغاثتي وفرجي وأرني آثار رحمتك
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 189 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري