تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
فمن ذا يصلَّي عنك بعد الموت ومن ذا يصوم عنك بعد الموت ومن ذا يرضى ربّك بعد الموت ، ما لك إلا أيّام معدودة هي بضاعتك إن اتّجرت فيها وقد ضيّعت أكثرها فلو بكيت بقيّة عمرك على ما ضيّعت منها لكنت مقصّرة في حقّ نفسك فكيف إذا ضيّعت البقيّة وأصررت على عادتك ، أما تعلمين أنّ الموت موعدك والقبر بيتك والتّراب فراشك والدّود أنيسك والفزع الأكبر بين يديك . أما علمت أنّ عسكر الموتى على باب البلد ينتظرونك وقد آلوا كلَّهم [ 1 ] على أنفسهم بالأيمان المغلظة أنّهم لا يبرحون من مكانهم ما لم يأخذوك إلى أنفسهم . أما تعلمين أنّهم يتمنّون الرّجعة إلى الدّنيا يوما ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم فأنت في أمنيّتهم ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لاشتروه لو قدروا عليه وأنت تضيّعين أيّامك في الغفلة والبطالة ، ويحك أما تستحين تزيّنين ظاهرك للخلق وتبارزين اللَّه تعالى بالعظائم أفتستحين من الخلق ولا تستحين من الخالق ، ويحك أهو أهون الناظرين إليك ويحك أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطَّخة بالرّذائل تدعين إلى اللَّه وأنت منه فارّة وتذكرين اللَّه وأنت له ناسية ، أما تعلمين أنّ المذنب أنتن من العذرة وأنّ العذرة لا تطهّر غيرها فلم تطمعين في تطييب غيرك وأنت غير طيّبة في نفسك ويحك لو عرفت نفسك حقّ المعرفة لظننت أنّ الناس لا يصيبهم بلاء إلا لشؤمك ، ويحك وقد جعلت نفسك حمارا لإبليس يقودك إلى حيث يريد ويسخر بك ومع هذا فتعجبين بعملك وفيه من الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لربحت فكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك . وقد لعن اللَّه إبليس بخطيئة واحدة بعد أن كان عبده مائتي ألف سنة وأخرج آدم من الجنّة بخطيئة واحدة مع كونه نبيّه وصفيّه . ويحك يا نفس ما أعذرك ، ويحك يا نفس ما أوقحك ، ويحك يا نفس ما أجهلك وما أجرأك على المعاصي ويحك كم تعقدين فتنقضين ، ويحك كم تعهدين فتغدرين ، ويحك أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنّك غير مرتحلة عنها ، أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا قد جمعوا كثيرا وبنوا شديدا وأمّلوا بعيدا فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا و
هامش
[ 1 ] أي أقسموا وحلفوا على أنفسهم .