أنّ اللَّه كريم في الآخرة دون الدّنيا وقد عرفت أنّ سنّة اللَّه لا تبديل لها وأنّ ربّ الدّنيا والآخرة واحد وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، ويحك يا نفس ما أعجب نفاقك وكثرة دعاويك الباطلة فإنّك تدّعين الإيمان بلسانك وأثر النفاق ظاهر عليك ألم يقل لك سيّدك ومولاك : « وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها » ( 1 ) وقال في أمر الآخرة : « وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ( 2 ) » فقد تكفّل لك بأمر الدّنيا خاصّة وصرفك عن السّعي لها فكذّبته بأفعالك وأصبحت تتكلبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر ووكَّل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامات الايمان فلو كان الايمان باللَّسان فلما ذا كان المنافقون في الدّرك الأسفل من النّار . ويحك كأنّك لا تؤمنين بيوم الحساب وتظنّين أنّك إذا متّ انفلتّ وتخلَّصت وهيهات أتحسبين أن تتركي سدى ، ألم تكوني نطفة من منّي يمنى ، ثمّ كنت علقة فخلق فسوّى ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ، فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك وأجهلك أما تتفكَّرين أنّه ممّا ذا خلقك من نطفة خلقك فقدّرك ثمّ السبيل يسّرك ، ثمّ أماتك فأقبرك أفتكذّبينه في قوله « ثمَّ إذا شاء أنشرك » ؟ فإن لم تكوني مكذّبة فما بالك لا تأخذين حذرك ولو أنّ يهوديّا أخبرك في ألذّ أطعمتك بأنّه يضرّك في بدنك لصبرت عنه وتركته وجاهدت نفسك فيه أفكان قول الأنبياء المؤيّدين بالمعجزات وقول اللَّه عزّ وجلّ في كتبه المنزلة أقلّ عندك تأثيرا من قول يهوديّ يخبرك عن حدس وتخمين وظنّ مع نقصان عقل وقصور علم ؟ والعجب أنّه لو أخبرك طفل بعقرب في ثوبك نزعته في الحال من غير مطالبة له ببرهان ودليل أكان قول الأنبياء والعلماء والحكماء وكافّة الأولياء أقلّ عندك من قول صبيّ من جملة الأغبياء ؟ أو صار حرّ جهنّم وصديدها وأغلالها وأنكالها وزقّومها ومقامعها وحديدها وأفاعيها وعقاربها أحقر عندك من لدغ عقرب لا تحسّين بألمه إلا يوما أو أقلّ ؟ ما هذا من أفعال العقلاء بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك وسخروا من عقلك . فإن كنت قد عرفت جميع ذلك وآمنت به فما لك تسوّفين العمل
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 182
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٨٢
هامش
( 1 ) هود : 6 .
( 2 ) النجم : 39 .