منه وتداركا لما فرط فهكذا كان يعمل عمّال اللَّه تعالى فقد عاقب بعضهم نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن تصدّق بأرض قيمتها مائة ألف درهم ، وكان بعضهم إذا فاتته صلاة في جماعة أحيى تلك اللَّيلة ، وأخّر ليلة صلاة المغرب حتّى طلع كوكبان فأعتق رقبتين وفات من ابن ربيعة ركعتا الفجر فأعتق رقبة ، وكان بعضهم يجعل على نفسه صوم سنة أو الحجّ ماشيا أو التصدّق بجميع ماله كلّ ذلك مرابطة للنفس ومؤاخذة لها بما فيه نجاتها . أقول : وفي مصباح الشريعة عن الصّادق عليه السّلام قال : « طوبى لعبد جاهد للَّه نفسه وهواه ، ومن هزم جند هواه ظفر برضى اللَّه ، ومن جاوز عقله نفسه الأمّارة بالسّوء بالجهد والاستكانة والخضوع على بساط خدمة اللَّه فقد فاز فوزا عظيما ، ولا حجاب أظلم وأوحش بين العبد وبين اللَّه تعالى من النفس والهوى ، وليس لقتلهما في قطعهما سلاح وآلة مثل الافتقار إلى اللَّه والخشوع والجوع والظمأ بالنّهار والسهر باللَّيل فإن مات صاحبه مات شهيدا وإن عاش واستقام أدّاه عاقبته إلى الرّضوان الأكبر قال اللَّه عزّ وجلّ : « والَّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإنّ اللَّه لمع المحسنين » ( 1 ) وإذا رأيت مجتهدا أبلغ منك في الاجتهاد فوبّخ نفسك ولمها وعيّرها تحثيثا على الازدياد عليه واجعل لها زماما من الأمر وعنانا من النهي وسقها كالرّائض للفارة الَّذي لا يذهب عليه خطوة من خطواتها إلا وقد صحّح أوّلها وآخرها وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يصلَّي حتّى يتورّم قدماه ويقول : « أفلا أكون عبدا شكورا » أراد أن يعتبر به أمّته فلا تغفلوا عن الاجتهاد والتعبّد والرّياضة بحال إلا وإنّك لو وجدت حلاوة عبادة اللَّه ورأيت بركاتها واستضأت بنورها لم تصبر عنها ساعة واحدة ولو قطَّعت إربا إربا فما أعرض من أعرض إلا بحرمان فوائد السلف من العصمة والتوفيق ، قيل لربيع بن خثيم : ما لك لا تنام باللَّيل ؟ قال : لأنّي أخاف البيات » ( 2 ) . قال أبو حامد : فإن قلت : إن كانت نفسي لا تطاوعني على الاجتهاد والمرابطة على الأوراد فما سبيل معالجتها ؟ فأقول : علاجها أن تسمعها ما ورد في الأخبار من
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 170
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٧٠
هامش
( 1 ) العنكبوت : 69 .
( 2 ) المصدر الباب الثمانون .