تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١

فضل المجتهدين ومن أنفع أسباب العلاج أن تطلب صحبة عبد من عباد اللَّه مجتهد في العبادة فتلاحظ أحواله وتقتدي به ، فكان بعضهم يقول : إذا اعترتني فترة في العبادة نظرت إلى أحوال محمّد بن واسع وإلى اجتهاده في العبادة فعملت على ذلك أسبوعا . إلا أنّ هذا العلاج قد تعذّر إذ فقد في عباد اللَّه من يجتهد في عبادة اللَّه اجتهاد الأوّلين فينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع فلا شيء أنفع من سماع أحوالهم ومطالعة أخبارهم وما كانوا فيه من الجهد الجهيد وقد انقضى تعبهم وبقي ثوابهم ونعيمهم أبد الآباد لا ينقطع فما أعظم ملكهم وما أشدّ حسرة من لا يقتدي بهم فتمتّع نفسه أيّاما قلائل بشهوات مكدّرة ثمّ يأتيه الموت ويحال بينه وبين كلّ ما يشتهيه أبد الآباد نعوذ باللَّه منه ، ونحن نورد من أوصاف المجتهدين وفضائلهم ما يحرّك رغبة المريدين في الاجتهاد اقتداء بهم فقد قال عليه السّلام : « رحم اللَّه أقواما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى » [ 1 ] قيل : أجهدتهم العبادة ، قال اللَّه تعالى : « والَّذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة » ( 1 ) قيل : يعملون ما عملوا من أعمال البرّ ويخافون أن لا يقبل وأن لا ينجيهم ذلك من عذاب اللَّه ، وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « طوبى لمن طال عمره وحسن عمله » ( 2 ) ويروى أنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول لملائكته : « ما بال عبادي مجتهدين فيقولون : إلهنا خوّفتهم شيئا فخافوه وشوقّتهم إلى شيء فاشتاقوا إليه فيقول اللَّه تعالى : فكيف لو رآني عبادي لكانوا أشدّ اجتهادا . وقال بعض السلف : أدركت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدّنيا أقبل ، ولا يتأسّفون على شيء منها أدبر ، ولهي كانت أهون في أعينهم من هذا التراب الَّذي تطئونه بأرجلكم إن كان أحدهم ليعيش عمره كلَّه ما طوي له ثوب ولا أمر أهله بصنعة طعام قطَّ ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا قط وأدركتهم عاملين بكتاب ربّهم وسنّة نبيّهم إذا جنّهم اللَّيل فقيام على أقدامهم يفترشون

هامش
( 1 ) المؤمنون : 61 .
( 2 ) أخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية من حديث عبد اللَّه بن بسر .
[ 1 ] لم أجده بهذا اللفظ وفي كلام أمير المؤمنين ع في خطبته التي وصف فيها المتقين لهمام « ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض » .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 171 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري