« حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم بميزان الحياء قبل أن توزنوا » وقال أبو ذر - رحمه اللَّه - : ذكر الجنّة موت وذكر النار موت فواعجبا لنفس تحيي بين موتين وروى عن يحيى بن زكريّا عليهما السّلام أنّه كان يفكَّر في طول اللَّيل في أمر الجنّة والنار فيسهر ليلته ولا يأخذه النوم ثمّ يقول عند الصباح : اللَّهمّ أين المفرّ وأين المستقرّ اللَّهمّ إلا إليك » ( 1 ) . * ( بيان حقيقة المحاسبة بعد العمل ) * اعلم أنّ العبد كما يكون له وقت في أوّل النهار يشارط فيها نفسه على سبيل التوصية بالحقّ فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب النفس فيها ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها وكذلك يفعل التجّار في الدّنيا مع الشركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم حرصا منهم على الدّنيا وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته ولو حصل ذلك لهم لكان لا يبقى إلا أيّاما قلائل فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلَّق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد ، ما هذه المساهلة إلا من الغفلة والخذلان وقلَّة التوفيق نعوذ باللَّه منه . ومعنى المحاسبة مع الشريك أن ينظر في رأس المال وفي الرّبح والخسران ليتبيّن له الزّيادة والنقصان فإن كان من فضل حاصل استوفاه وشكره وإن كان من خسران طالبه بضمانه وكلَّفه تداركه في المستقبل فكذلك رأس مال العبد في دينه الفرائض وربحه النوافل والفضائل وخسرانه المعاصي وموسم هذه التجارة جملة النهار ومعامله نفسه الأمّارة بالسوء فليحاسبها على الفرائض أوّلا فإن أدّتها على وجهها شكر اللَّه عزّ وجلّ عليه ورغَّبها في مثلها وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء فإن أدّتها ناقصة كلَّفها الجبران بالنوافل وإن ارتكبت معصية اشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها واستوفى منها ما يتدارك به ما فرط كما يصنع التاجر بشريكه وكما أنّه يفتّش في حساب الدّنيا عن الحبّة والقيراط فيحفظ مداخل الزّيادة والنقصان حتّى لا يغبن في شيء منها فينبغي أن يتّقي غائلة النفس ومكرها فإنّها خدّاعة ملبّسة مكَّارة
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 167
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٦٧
هامش
( 1 ) المصدر الباب الرابع والثمانون .