وجوههم تجري دموعهم على خدودهم يناجون ربّهم في فكاك رقابهم إذا عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا في شكرها [ 1 ] وسألوا اللَّه أن يتقبّلها ، وإذا عملوا السيّئة أحزنتهم وسألوا اللَّه أن يغفرها لهم ما زالوا كذلك وعلى ذلك واللَّه ما سلموا من الذّنوب ولا نجوا إلا بالمغفرة . ويحكى أنّ قوما دخلوا على عمر بن عبد العزيز يعودونه في مرضه وإذا فيهم شابّ ناحل الجسم فقال له عمر : يا فتى ما الَّذي بلغ بك ما أرى فقال : يا أمير المؤمنين أسقام وأمراض فقال : سألتك باللَّه إلا صدقتني فقال : يا أمير المؤمنين ذقت حلاوة الدّنيا فوجدتها مرّة وصغر عندي زهرتها وحلاوتها واستوى عندي ذهبها وحجرها وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي بارزا والناس يساقون إلى الجنّة والنار فأظمأت لذلك نهاري وأسهرت له ليلي وقليل كلّ ما أنا فيه في جنب ثواب اللَّه وعقابه . وقال أبو الدّرداء : لولا ثلاث ما أحببت العيش يوما واحدا : الظمأ للَّه بالهواجر والسجود للَّه في جوف اللَّيل ومجالسة أقوام ينتقون أطائب الكلام كما ينتقى أطائب التمر .
وقيل : إنّ قوما أرادوا سفرا فحادوا عن الطريق فانتهوا إلى راهب منفرد عن الناس فنادوه فأشرف عليهم من صومعته فقالوا : يا راهب إنّا قد أخطأنا الطريق فكيف هو فأومأ برأسه إلى السماء فلم يعلم الناس ما أراد ، فقالوا : يا راهب إنّا سائلوك فهل أنت مجيبنا ؟ فقال : سلوا ولا تكثروا فإنّ النهار لن يرجع والعمر لا يعود والطالب حثيث ، فتعجّب القوم من كلامه فقالوا : يا راهب على م يحشر الخلق غدا عند مليكهم فقال : على نيّاتهم ، فقالوا : أوصنا فقال : تزوّدوا على قدر سفركم فإنّ خير الزّاد ما بلغ البغية ثمّ أرشدهم إلى الطريق وأدخل رأسه في صومعته . وقال عبد الواحد ابن زيد : مررت بصومعة راهب من رهبان الصين فناديته يا راهب فلم يجبني فناديته الثانية فلم يجب فناديته الثالثة فأشرف عليّ وقال : يا هذا ما أنا براهب إنّما الرّاهب من رهب اللَّه في سمائه وعظَّمه في كبريائه وصبر على بلائه ورضي بقضائه وحمده على آلائه وشكره على نعمائه وتواضع لعظمته وذلّ لعزّته واستسلم لقدرته وخضع لمهابته وفكر في حسابه وعقابه فنهاره صائم وليله قائم قد أسهره ذكر النّار ومسألة
هامش
[ 1 ] أي جدّوا وتعبوا واستمروا عليه .