تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣

الجبّار فذاك هو الرّاهب فأمّا أنا فكلب عقور حبست نفسي في هذه الصومعة عن الناس لئلا أعقرهم ، فقلت : يا راهب فما الَّذي قطع الخلق عن اللَّه بعد إذ عرفوه ؟ فقال : يا أخي لم يقطع الخلق عن اللَّه إلا حبّ الدّنيا وزينتها لأنّها محلّ المعاصي والذّنوب فالعاقل من رمى بها عن قلبه وتاب إلى اللَّه من ذنبه وأقبل على ما يقرّبه من ربّه . وكان أويس القرنيّ يقول : هذه ليلة الرّكوع فيحيى اللَّيلة كلَّها في ركعة وإذا كانت اللَّيلة الآتية قال : هذه ليلة السجود فيحيى اللَّيلة كلَّها في سجدة ، ويروى عن رجل من أصحاب عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أنّه قال : « صلَّيت خلف عليّ بن أبي طالب عليه السّلام الفجر فلمّا سلَّم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتّى طلعت الشّمس ثمّ قلَّب يده فقال : واللَّه لقد رأيت أصحاب محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وما أرى اليوم شيئا يشبههم كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا للَّه سجّدا وقياما يتلون كتاب اللَّه عزّ وجلّ يراوحون بين أقدامهم وجباههم فكانوا إذا ذكروا اللَّه مادوا كما تميد الشجرة في يوم الرّيح وهملت أعينهم حتّى ابتلّ ثيابهم وكان القوم باتوا غافلين يعني من كان حوله . وقال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام : « سيما الصّالحين صفرة الألوان من السهر وعمش العيون من البكاء وذبول الشفاه من الصوم عليهم غبرة الخاشعين » ( 1 ) وقيل بعض السلف : ما بال المتهجّدين أحسن النّاس وجوها ؟ فقال : إنّهم خلوا بالرّحمن فألبسهم نورا من نوره . وكان عامر بن عبد قيس يقول : إلهي خلقتني ولم تؤامرني وتميتني ولا تعلمني وخلقت معي عدوّا وجعلته يجري منّي مجرى الدّم وجعلته يراني ولا أراه ثمّ قلت لي استمسك ، إلهي كيف أستمسك إن لم تمسكني ، إلهي في الدّنيا الهموم والأحزان وفي الآخرة العقاب والحساب فأين الرّاحة والفرح ، وقال بعض الحكماء : إنّ للَّه عزّ وجلّ عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم فأطاعوه وتوكَّلوا عليه فسلَّموا الخلق والأمر إليه فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين وبيوتا للحكمة وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون وقلوبهم تجول في الملكوت وتلوذ بحجب الغيوب ثمّ ترجع ومعها طرائف من لطيف الفوائد ما لا يمكن واصفا أن يصفه

هامش
( 1 ) روى الكليني في الكافي ج 2 ص 235 و 236 نحوه .