تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤

ويكون جميع أحواله مقصورة على ما رواه أبو ذرّ من قوله عليه السّلام : « لا يكون المؤمن ظاعنا إلا في ثلاث تزوّد لمعاد أو مرمّة لمعاش أو لذّة في غير محرّم » [ 1 ] وما روي أيضا عنه في معناه « على العاقل أن يكون له أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يتفكَّر فيها في صنع اللَّه ، وساعة يخلو فيها للمطعم والمشرب فإنّ في هذه الساعة عونا له على بقيّة السّاعات » ( 1 ) ثمّ هذه الساعات الَّتي هو فيها مشغول الجوارح بالمطعم والمشرب لا ينبغي أن يخلو فيها عن عمل هو أفضل الأعمال وهو الذّكر والفكر فإنّ الطعام الَّذي يتناوله مثلا فيه من العجائب ما لو تفكَّر فيه وفطن له لكان ذلك أفضل من كثير من أعمال الجوارح والناس فيه أقسام قسم ينظرون بعين التبصّر والاعتبار فينظرون في عجائب صنعها وكيفيّة ارتباط قوام الحيوانات بها وكيفيّة تقدير اللَّه لأسبابها وخلق الشهوة الباعثة عليها وخلق الآلات المسخّرة للشهوة فيها كما فصّلنا بعضه في كتاب الشكر وهذا مقام ذوي الألباب وقسم ينظرون فيه بعين المقت والكراهة ويلاحظون وجه الاضطرار إليه وبودّهم لو استغنوا عنه ولكن يرون أنفسهم مقهورين فيه مسخّرين لشهواته وهذا مقام الزّاهدين ، وقسم يرون في الصنعة الصانع ويترقّون منها إلى صفات الخالق فيكون مشاهدة ذلك سببا لتذكَّر أبواب من الفكر تنفتح عليهم بسببه وهو أعلى مقامات العارفين وعلامات المحبّين إذ المحبّ إذا رأى صنعة حبيبه وكتابه وتصنيفه نسي الصنعة واشتغل قلبه بالصانع وكلّ ما يتردّد العبد فيه هو صنع اللَّه تعالى فله في النظر منها إلى الصانع مجال رحب إن فتحت له أبواب الملكوت وذلك عزيز جدّا ، وقسم رابع ينظرون فيه بعين الرّغبة والحرص فيتأسّفون على ما فاتهم منه ويفرحون بما حضرهم من

هامش
( 1 ) هذا تتمة حديث أبي ذر المتقدم ، وروى الصدوق في معاني الأخبار وكمال الدين نحوه وقد تقدم .
[ 1 ] رواه الصدوق في الفقيه ص 221 وفي الخصال أبواب الثلاثة عن الصادق عليه السّلام وفيهما في حكمة آل داود عليه السّلام وقد تقدم وأخرجه ابن حبان وأحمد والحاكم وصحّحه أنه قال صلى اللَّه عليه وآله : انه في صحف موسى عليه السّلام .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 164 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري