تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧

كان تقويته لهذا بقدر تقويته للآخر فقد تقاوما وكان كالمستضرّ بالحرارة إذا تناول ما يضرّه ثمّ تناول من المبرّدات ما يقاوم قدر قوّته فيكون بعد تناولهما كأنّه لم يتناولهما وإن كان أحدهما غالبا لم يخل الغالب عن أثر فكما لا يضيع مثقال ذرّة من الطعام والشراب والأدوية ولا ينفكّ عن أثر في الجسد بحكم سنّة اللَّه عزّ وجلّ فكذلك لا يضيع مثقال ذرّة من الخير والشرّ ولا ينفكّ عن تأثير في إنارة القلب أو تسويده وفي تقريبه من اللَّه تعالى أو إبعاده فإذا جاء بما يقربه شبرا مع ما يبعده شبرا فقد عاد إلى ما كان لا له ولا عليه فإن كان الفعل ممّا يقربه شبرين والآخر يبعده شبرا واحدا فضل له لا محالة شبر وقد قال عليه السّلام : « أتبع السيّئة الحسنة تمحها » ( 1 ) فإذا كان الرّياء المحض يمحوه الإخلاص المحض عقيبه فإذا اجتمعا جميعا فلا بدّ وأن يتدافعا بالضرورة ويشهد لهذا إجماع الأمّة على أنّ من خرج حاجّا ومعه تجارة صحّ حجّه وأثيب عليه وقد امتزج به حظَّ من حظوظ النفس ، نعم يمكن أن يقال إنّما يثاب على أعمال الحجّ عند انتهائه إلى مكَّة وتجارته غير موقوفة عليه فهو خالص وإنّما المشترك طول المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد التجارة ولكنّ الصواب أن يقال مهما كان الحجّ هو المحرّك الأصلي وكان غرض التجارة كالمعين والتابع فلا ينفكّ نفس السفر عن ثواب . أقول : بل الصواب أن يقال : أنّ التجارة تعرّض للرّزق وهو أيضا عبادة وليس من حظوظ النفس وقد سبق أنّ نيّة الخيرات المتعدّدة موجبة لتضاعف الثواب . قال أبو حامد : وما أظنّ أنّ الغزاة لا يدركون في أنفسهم تفرقة بين غزو الكفّار في جهة يكثر فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها ، ويبعد أن يقال : إدراك هذه التفرقة يحبط بالكلَّيّة ثواب جهادهم بل العدل أن يقال : إذا كان الباعث الأصليّ والمزعج القوي هو إعلاء كلمة اللَّه وإنّما الرّغبة في الغنيمة على سبيل التبعيّة فلا يحبط به الثواب نعم لا يساوي ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلا فإنّ هذا الالتفات نقصان لا محالة ، فإن قلت : فالآيات والأخبار تدلّ على أنّ شوب الرّياء محبط للثواب وفي

هامش
( 1 ) قد تقدم غير مرة في رياضة النفس وفي التوبة .
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 137 | الفيض الكاشاني / علي أكبر الغفاري