يفرق في أحواله بين مشاهدة إنسان ومشاهدة بهيمة فهو بعد خارج عن صفو الإخلاص مدنّس الباطن بالشرك الخفيّ من الرّياء وهذا الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في اللَّيلة الظلماء على الصخرة الصمّاء كما ورد به الخبر ( 1 ) ولا يسلم من الشيطان إلا من دقّ نظره وسعد بعصمة اللَّه تعالى وتوفيقه وهدايته وإلا فالشيطان ملازم للمتشمّرين لعبادة اللَّه عزّ وجلّ لا يغفل عنهم لحظة حتّى يحملهم على الرّياء في كلّ حركة من الحركات حتّى في كحل العين وقصّ الشارب وطيب يوم الجمعة ولبس الثياب فإنّ هذه سنن في أوقات مخصوصة وللنفس فيها حظَّ خفيّ لارتباط نظر الخلق بها ولاستيناس الطبع بها فيدعوه الشيطان إلى فعل ذلك ويقول هذه سنّة لا ينبغي أن تتركها ويكون انبعاث القلب باطنا لها لأجل تلك الشهوات الخفيّة أو مشوبة بها شوبا يخرج عن حدّ الإخلاص بسببه وما لا يسلم عن هذه الآفات كلَّها فليس بخالص بل من يعتكف في مسجد معمور نظيف حسن العمارة يأنس إليه الطبع به فالشيطان يرغَّبه فيه ويكثر عليه من ثواب الاعتكاف وقد يكون المحرّك الخفي في سرّه هو الأنس بحسن صورة المسجد واستراحة الطبع إليه ويتبيّن ذلك في ميله إلى أحد المسجدين أو أحد الموضعين إذا كان أحسن من الآخر وكلّ ذلك امتزاج بشوائب الطبع وكدورات النفس فيبطل حقيقة الإخلاص ، لعمري الغشّ الَّذي يمزج بخالص الذّهب له درجات متفاوتة فمنها ما يغلب ومنها ما يقلّ ولكن يسهل إدراكه ومنها ما يدقّ بحيث لا يدركه إلا الناقد البصير وغشّ القلب ودغل الشيطان وخبث النفس أغمض من ذلك وأدقّ كثيرا ولهذا قيل : ركعتان من عالم أفضل من عبادة سنة من جاهل وأريد به العالم البصير بدقائق آفات الأعمال حتّى يخلص عنها فإنّ الجاهل نظره إلى ظاهر العبادة واغتراره بها كنظر السوادي إلى حمرة الدّينار المموّه واستدارته وهو زائف في نفسه وقيراط من خالص الذّهب الَّذي يرتضيه الناقد خير من الدّينار الَّذي يرتضيه الغرّ الغبي فهكذا يتفاوت أمر العبادات بل أشدّ وأعظم ومداخل الآفات المتطرّقة إلى فنون الأعمال لا يمكن حصرها وإحصاؤها فما
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 135
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٥
هامش
( 1 ) تقدم غير مرة في العلم وغيره .