ذكرناه مثال والفطن يغنيه القليل عن الكثير والبليد لا يغنيه التطويل أيضا فلا فائدة في التفصيل . * ( بيان حكم العمل المشوب واستحقاق الثواب به ) * اعلم أنّ العمل إذا لم يكن خالصا لوجه اللَّه عزّ وجلّ بل امتزج به شوب من الرّياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أنّ ذلك هل يقتضي ثوابا أم يقتضي عقابا أم لا يقتضي شيئا أصلا فلا يكون له ولا عليه ، أمّا الَّذي لم يرد به إلا الرّياء فهو عليه قطعا وهو سبب المقت والعقاب ، وأمّا الخالص لوجه اللَّه تعالى فهو سبب الثواب وإنّما النظر في المشوب وظاهر الأخبار يدلّ على أنّه لا ثواب له وليس تخلو الأخبار عن تعارض فيه والَّذي ينقدح لنا فيه والعلم عند اللَّه أن ينظر إلى قدر قوّة الباعث فإن كان الباعث الدّيني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه وإن كان باعث الرّياء أقوى وأغلب فليس بنافع بل هو مع ذلك مضرّ ومفض للعقاب نعم العقاب الَّذي فيه أخفّ من عقاب العمل الَّذي تجرّد للرّياء ولم يمتزج به شائبة التقرّب وإن كان قصد التقرّب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوّة الباعث الدّيني وهذا لقوله تعالى : « فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره » ( 1 ) ولقوله : « إنّ اللَّه لا يظلم مثقال ذرَّة » ( 2 ) فلا ينبغي أن يضيّع قصد الخير بل إن كان قصد التقرّب غالبا على قصد الرّياء حبط منه القدر الَّذي يساويه وبقيت زيادة ، وإن كان مغلوبا سقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد وكشف الغطاء عن هذا أنّ الأعمال تأثيرها في القلوب بتأكيد صفاتها فداعية الرّياء من المهلكات وإنّما غذاء هذا المهلك وقوّته بالعمل على وفقه وداعية الخير من المنجيات وإنّما قوّتها بالعمل على وفقها فإذا اجتمعت الصفتان في القلب فهما متضادّتان فإذا عمل على وفق مقتضى الرّياء فقد قويت تلك الصفة وإن عمل على وفق داعية الخير قويت أيضا تلك الصفة وأحدهما مهلك والآخر منج فإن
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 136
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٦
هامش
( 1 ) الزلزال : 7 و 8 .
( 2 ) النساء : 39 .