قال أبو حامد : فنقول : هذه الأحاديث لا تناقض ما ذكرناه بل المراد بها من لم يرد به إلا الدّنيا كقوله : « من هاجر يبتغي شيئا من الدّنيا فهو له » أو كان ذلك أغلب على نيّته وقد ذكرنا أنّ ذلك عصيان وعدوان لا لأنّ طلب الدّنيا حرام ولكن طلبها بأعمال الدّين حرام لما فيه من الرّياء وتغيير العبادة عن وضعها ، وأمّا لفظ الشركة حيث ورد فمطلقه للتساوي وقد بيّنّا أنّه إذا تساوى القصدان تقاوما ولم يكن له ولا عليه فلا ينبغي أن يرجى عليه ثواب ، ثمّ الإنسان عند الشركة أبدا في خطر فإنّه لا يدري أي الأمرين أغلب على قصده فربّما يكون عليه وبالا ولذلك قال اللَّه تعالى : « فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحا » أي لا يرجى اللَّقاء مع الشركة الَّتي أحسن أحوالها التساقط ، ويجوز أن يقال : أيضا منصب الشهادة أيضا لا ينال إلا بالإخلاص في الغزو ، وبعيد أن يقال : من كانت داعيته الدّينيّة بحيث تزعجه إلى مجرّد الغزو وإن لم تكن غنيمة وقدر على غزو طائفتين من الكفّار إحداهما أغنياء والأخرى فقراء فمال إلى جهة الأغنياء لإعلاء كلمة اللَّه تعالى والغنيمة أنّه لا ثواب له على غزوه البتّة ونعوذ باللَّه أن يكون الأمر كذلك فإنّ هذا حرج في الدّين ومدخل لليأس على المسلمين لأنّ أمثال هذه الشوائب التابعة قطَّ لا ينفكّ الإنسان عنها إلا على الندور فيكون تأثير هذا في نقصان الثواب فأمّا أن يكون في إحباطه فلا ، نعم الإنسان فيه على خطر عظيم لأنّه ربّما يظنّ أنّ الباعث الأقوى هو قصد التقرّب إلى اللَّه ويكون الأغلب على سرّه الحظَّ النفسي وذلك ممّا يخفى غاية الخفاء فلا يحصل الأجر إلا بالإخلاص والإخلاص قلَّما يستيقنه العبد من نفسه وإن بالغ في الاحتياط ، فلذلك ينبغي أن يكون أبدا بعد كمال الاجتهاد متردّدا بين الردّ والقبول خائفا أن تكون في عباداته آفة يكون وبالها أكثر من ثوابها فلا يقاومها وهكذا كان الخائفون من ذوي البصائر ، وهكذا ينبغي أن يكون كلّ ذي بصيرة ، ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عند خوف الآفة والرّياء فإنّ ذلك منتهى بغية الشيطان منه إذ المقصود أن يفوت الإخلاص ، ومهما ترك العمل فقد ضيّع العمل والإخلاص جميعا ، وقد قيل : ترك العمل بسبب الخلق رئاء وفعله
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 139
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٩