ولا يمكن أن تكون نفس غيره أعزّ عليه من نفسه فهذا محض التلبيس بل المقتدى به هو الَّذي استقام في نفسه واستنار قلبه فانتشر نوره إلى غيره فيكون له ثواب عليه فأمّا هذا فمحض النفاق والتلبيس فمن اقتدى به أثيب عليه وأمّا هو فيطالب بتلبيسه ويعاقب على إظهاره من نفسه ممّا ليس متّصفا به .
الدّرجة الثالثة وهي أدقّ ممّا قبلها أن يجرّب العبد نفسه في ذلك ويتنبّه لكيد الشيطان ويعلم أنّ مخالفته بين الخلوة والمشاهدة للغير محض الرّياء ويعلم أنّ الإخلاص في أن تكون صلاته في الخلوة مثل صلاته في الملأ ويستحيي من نفسه ومن ربّه أن يتخشّع لمشاهدة خلقه تخشعا زائدا على عادته فيقبل على نفسه في الخلوة ويحسن صلاته على الوجه الَّذي يرتضيه في الملأ ويصلَّي في الملأ أيضا كذلك ، فهذا أيضا من الرّياء الغامض لأنّه حسّن صلاته في الخلوة ليحسّن في الملأ فلا يكون قد فرق بينهما فالتفاته في الخلوة والملأ إلى الخلق بل الإخلاص أن تكون مشاهدة البهائم لصلاته ومشاهدة الخلق على وتيرة واحدة فكأنّ نفس هذا ليست تسمح بإساءة الصلاة بين أظهر الناس ثمّ يستحيي من نفسه أن يكون في صورة المرائين ويظنّ أنّ ذلك يزول بأن تستوي صلاته في الخلوة والملأ وهيهات بل زوال ذلك بأن لا يلتفت إلى الخلق كما لا يلتفت إلى الجمادات في الخلأ والملأ جميعا وهذا الشخص مشغول الهمّ بالخلق في الملأ والخلأ جميعا ، وهذا من المكائد الخفيّة للشيطان .
الدّرجة الرّابعة وهي أدقّ وأخفى أن ينظر إليه الناس وهو في صلاته فيعجز الشيطان عن أن يقول له : أخشع لأجلهم فإنّه قد عرف أنّه تفطَّن لذلك فيقول له الشيطان : تفكَّر في عظمة اللَّه وجلاله ومن أنت واقف بين يديه واستحي من أن ينظر اللَّه عزّ وجلّ إلى قلبك وهو غافل عنه فيحضر بذلك قلبه وتخشع جوارحه ويظنّ أنّ ذلك عين الإخلاص وهو عين المكر والخداع فإنّ خشوعه لو كان لنظره إلى جلاله لكانت هذه الخطرة تلازمه في الخلوة وكان لا يختصّ حضورها بحالة حضور غيره وعلامة الأمن من هذه الآفة أن يكون هذا الخاطر ممّا يألفه في الخلوة كما يألفه في الملأ ولا يكون حضور الغير هو السبب في حضور هذا الخاطر كما لا يكون حضور بهيمة سببا فما دام
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء — صفحة 134
مساهمون: الفيض الكاشاني
ص١٣٤